سماحة السيّد المرجع دام ظلّه: لنجعل عراق المستقبل عراق أمير المؤمنين سلام الله عليه

استقبل سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظلّه في 11 جمادى الأُولى 1425 هجرية عدداً من مدراء ومسؤولي الدوائر الرسمية والمحلّية في مدينة كربلاء المقدّسة الذين وفدوا على قم المقدّسة لزيارة السيّدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها برفقة الأخ السيّد عارف نصر الله والأخ مهدي العطّار حفظهما الله تعالى.

وبعد أن رحّب بهم سماحته، ألقى ممثّل الوفد وعضو مجلس المحافظة فضيلة الأخ «فائق عوز» كلمة شكر وتقدير للفرصة التي أتاحها سماحته لهم للقاء به. ثمّ ألقى دام ظلّه فيهم كلمة قيّمة إستهلّها بقوله تعالى:

﴿ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾[1].

وقال سماحته: إنّ الأُمور السياسية والاقتصادية التي مارسها الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه خلال حكومته كانت وفق المعايير الإلهية التي وردت في الآية الشريفة المذكورة آنفاً، فقد طبّق عملياً حكم القرآن، فعاش الناس في زمانه وخصوصاً أهل العراق (حيث كانت الكوفة آنذاك مركز حكومته) في النعيم فكان إقتصاد الدولة أحسن إقتصاد وسياستها أرفه وأوسع وأنعم سياسة.

وأضاف دام ظلّه:

لا يوجد الآن على وجه الأرض من أقصاها إلى أقصاها حكومة تستطيع أن تدّعي أنّها قد قضت على الفقر نهائياً حتّى أغنى الدول وأرقاها. لكن الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه قد قضى على الفقر نهائياً وذلك من خلال تطبيقه عملياً لقيم السماء الراقية.

والحالة الرائعة التي تجدونها في سيرة الإمام هي أنّه سلام الله عليه مع كلّ ذلك يقول: «ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع»[2].

وأردف سماحته بالقول: هل تجدون اليوم عند الحكومات التي تدّعي بوجود الحرّية في البلدان التي تحكمها أنّها تسمح لشعوبها بالمظاهرات بدون شروط وحدود.

أمّا أمير المؤمنين سلام الله عليه وقبل 1400 سنة قد سمح بالتظاهر ضدّه بدون أيّة قيود أو شروط في القصّة المعروفة التالية:

قال الإمام الصادق سلام الله عليه: «لمّا قدم أمير المؤمنين سلام الله عليه الكوفة أمر الحسن بن علي سلام الله عليهما أن ينادي في الناس لا صلاة (صلاة النافلة) في شهر رمضان في المساجد جماعة، فنادى في الناس الحسن بن علي سلام الله عليهما بما أمره به أمير المؤمنين سلام الله عليه فلمّا سمع الناس مقالة الحسن بن علي صاحوا: وا عمراه وا عمراه، فلمّا رجع الحسن إلى أمير المؤمنين سلام الله عليه قال له: ما هذا الصوت؟ فقال: ياأمير المؤمنين الناس يصيحون: وا عمراه وا عمراه، فقال أمير المؤمنين: قل لهم صلّوا»[3].

إنّ الذين اعترضوا على أمير المؤمنين سلام الله عليه لم يكونوا يمثّلون نسبة واحد بالألف من مجتمع الكوفة ولكن على رغم ذلك سمح لهم الإمام بالتظاهر والإعتراض وأمر بتركهم على ما يريدون. فهل تجدون نظير هذا في الدول المتحضّرة والتي تدّعي بالحرّية؟

وقال سماحته: لو يعلم عالم اليوم بما يوجد في القرآن الحكيم وبسيرة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وبما عمله أمير المؤمنين سلام الله عليه لسبقنا إلى الإسلام وهذا ما أكّده سلام الله عليه في آخر ساعات حياته المباركة حينما قال:

«الله، الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم»[4].

فغيرنا قد أخذ من القرآن والإسلام الشيء النزير فوصل إلى ما ترونه حالياً.

وأضاف دام ظلّه: لو إنّ المسلمين عملوا بما أمر به الله تعالى لكان نصيبهم ما قاله عزّوجلّ: ﴿لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ أي لكان مجتمعهم منعمّاً لا طاقات تهدر فيه ولا شباب يضيع ولا نساء تفسد ولكن مع الأسف إكتفوا من الإسلام باسمه فقط فأصابهم ما جاء في القرآن ﴿فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾.

وحول العراق في المرحلة الراهنة قال سماحته:

إنّ عراق اليوم هو في نهاية محنة عظيمة قد ولّت وعلى أبواب رحمة عظيمة، لكن مَن المسؤول في أن ينعم العراق بهذه الرحمة؟ ومن يصنع شباب العراق ومن يعلّمهم ويربّيهم؟ علماً إنّي قد قرأت في إحصائية إنّ شباب العراق بنين وبنات يمثّلون 41% من سكّان العراق.

وقال دام ظلّه: إنّ المسؤول الأوّل والأخير عن ذلك هم مثّقفو العراق على مختلف مستوياتهم وأُطرهم. فالمثقّف هو الذي يمكن أن يفهم ويُفهم لما له من القدرات والطاقات.

وأكّد دام ظلّه: إن أردتم أن يكون عراق المستقبل كما كان في أيّام حكومة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه بلا فقير وبلا دكتاتورية فعليكم:

أوّلاً: استيعاب أُسلوب القرآن وتعاليمه وكذلك سيرة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسيرة أمير المؤمنين سلام الله عليه. فقد ورد في حديث عن الإمام الرضا وأنتم الآن في طريقكم إلى زيارته أنّه سلام الله عليه قال: «رحم الله من أحيا أمرنا». فقيل: كيف يحيى أمركم؟ فقال سلام الله عليه: «يتعلّم علومنا ويعلّمها الناس».

ثانياً: نقل كلّ ذلك للآخرين وتعليمهم: «فكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته» كما في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله.

واعلموا أنّ ذلك بحاجة إلى همّة وتضحية لا بالأنفس بل بالوقت والفرص وما شابه ذلك حتّى يكون عراق المستقبل عراقاً بدأ ببنائه أمير المؤمنين سلام الله عليه وتكونون أنتم المواصلين في بنائه، وعندها يشملكم قوله عزّوجلّ: ﴿لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾.

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.


 

[1] الأعرف: 96.

[2] نهج البلاغة / الكتاب 45.

[3] تهذيب الأحكام للطوسي / ج3 / ص70 / باب فضل شهر رمضان والصلاة فيه / ح30.

[4] نهج البلاغة / الكتاب 47.

 

 وإليك عرض مصور لما ورد في الخبر: