سماحة السيد دام ظله في محاضرة قيّمة بعلماء وخطباء وطلاب محافظة إصفهان:
أبى الله سبحانه إلا أن يتمّ نور مولانا الإمام الحسين سلام الله عليه ولو كره الأعداء

على أعتاب شهر محرم الحرام ـ وكالسنوات السابقة ـ قام جمع من العلماء والخطباء والمبلّغين وطلبة العلوم الدينية من محافظة إصفهان بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم، واستمعوا إلى إرشادات وتوصيات سماحته فيما يخص العمل من أجل تعظيم وإحياء الشعائر الحسينية المقدسة.
في البدء كانت تلاوة معطرة من آي الذكر الحكيم، ثمّ ألقى خادم أهل البيت عليهم السلام السيد روفيگران قصيدة في مصاب الإمام الحسين صلوات الله عليه، بعدها ألقى سماحة السيد المرجع الشيرازي دام ظله الوارف كلمة قيّمة استهلّها بالدعاء بأن يمنّ الله تعالى على الجميع بشفاعة ورعاية الإمام الحجّة المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف وكذلك كريمة أهل البيت السيدة فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى الكاظم سلام الله عليهما، كما تمنّى للحاضرين مزيداً من التوفيق في خدمتهم لأهل البيت والإمام سيّد الشهداء سلام الله عليهم أجمعين.
بعد ذلك شرح سماحته عبارة «اللهمّ اجعلني عندك وجيهاً بالحسين عليه السلام في الدنيا والآخرة» وقال: هذه العبارة موجودة في زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه ليوم عاشوراء، وفي ذات الوقت، هي عبارة عن حديث قدسي، وقال:
تتمتّع زيارة عاشوراء باعتبار ووثاقة كبيرين، وليس لأحد التنكّر لذلك، لأنّ ذلك يعني في الواقع التنكّر لزيارة وارث وزيارة الأربعين والزيارة الجامعة وزيارة الإمام الحسين سلام الله عليه في يوم عرفة وزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وعديد الزيارات الأخرى، فجميع هذه الروايات تدخل ضمن نسق واحد.
وأضاف سماحته: تعتبر زيارة عاشوراء من الأدعية العميقة الغور والعظيمة الأهمية، وهي بعد من النعم والألطاف الإلهية التي منّ الله بها على عباده، حيث رواها أئمتنا المعصومون سلام الله عليهم، وعلى الرغم من أنّهم يتكلّمون بلسان الله سبحانه ـ وهذا بالضبط هو معنى العصمة ـ ولكن مع ذلك فإنّ زيارة عاشوراء تعتبر في الواقع زيارة خاصة.
وتابع سماحته كلمته القيّمة بقوله: تبيّن العبارة المذكورة المقتبسة عن زيارة عاشوراء كم أنّ الإنسان حقير مقابل عظمة الله جلّ شأنه، حيث يعترف بحاجته الماسّة إلى ربّه وأن لا وزن له ولا قيمة من دون الله، ويعلم علم اليقين أنّه لا يملك ما يقدّمه في حضرة معبوده سواء كان قولاً جميلاً أم عملاً وزيناً، وفي الحقيقة إنّا لا نتوافر على أهلية التحدّث إلى الله أو أن ننطق بكلمة «يا الله»، وإذا كنّا نملك شيئاً من هذا فإنّما هو منّة من الله وفضل حبانا به سبحانه فأذن لنا بدعائه «وأذنت لي في دعائك»، ولولا هذه الأدعية والزيارات، لما استطاعت عقولنا أن تحيط بهذه المعاني الراقية، ولولا لطف أهل البيت وكرمهم سلام الله عليهم ، لما استوعب العرفاء ولحكماء والفلاسفة هذه المعاني العجيبة والمضامين السامية.
وحول أهمية التبليغ والهداية ومكانتهما ودورهما، قال سماحته: نحن جميعاً نعتبر دعاة إلى فكر أهل البيت سلام الله عليهم ومدرستهم، وهذا يفسّر أهمية الدور الذي نضطلع به، وهي أهمية نابعة من أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله نفسه كان مبلّغ الولاية، حيث خاطبه الله تعالى بقوله: «يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل إليك»، وكذلك الإمام الصادق والإمام المهدي سلام الله عليهما هما مبلّغان، ومن هذا المنطلق فإنّنا نُعتبر مبلّغي أهل البيت سلام الله عليهم وسائرين على نهجهم، وهي نعمة أنعم الله بها علينا. ربّما يتعب الإنسان من عمله أو يصيبه الكلل و الندم، لكنّ المبلّغ الذي يرتبط بأهل البيت سلام الله عليهم ويكون في خدمتهم لا يكلّ ولا يملّ من عمله.
كما أكّد سماحته: في خطابنا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسائر المعصومين نستخدم عبارة «يا وجيهاً عند الله»، فالوجاهة والكرامة عند الله هي مقام جدّ عالٍ، وعندما نقرأ هذه العبارة المهمّة من زيارة عاشوراء يجب أن نلتفت إلى غور معناها ونحيط بعمق محتواها، وأن نعلم بأن لامتلاك الوجاهة عند الله شروطاً ليست باليسيرة.
وأحد هذه الشروط هي أن نمتلك صفة العفو والمسامحة إذ أنّ الإمام الحسين سلام الله عليه كان تجسيداً حيّاً لهذه الصفة العظيمة ونحن باعتبارنا دعاة إلى نهج الإمام ينبغي أن نتحلّى بهذه الصفة، وأن نتخلّى عن كثير من الأشياء في سبيل النهج الحسيني الذي اخترناه لأنفسنا.
إنّ مبلّغ الإمام الحسين سلام الله عليه يجب أن يتوافر على صفة العفو في المجالات السياسية والاجتماعية والأسرية، وأن يتحمّل الصعوبات والشدائد في مسيرة التبليغ لمدرسة أهل البيت سلام الله عليهم، لأنّ الإمام الحسين سلام الله عليه ضحّى بدمه الزكي من أجل تحقيق أهداف دين جدّه صلى الله عليه وآله النبيلة.
وقال دام ظله: جاء في إحدى زيارات سيّد الشهداء سلام الله عليه: «وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة». لقد تحمّل أشرف الأوّلين والآخرين رسول الله صلّى الله عليه وآله في سبيل تبليغ الرسالة الإسلامية شتّى أنواع الأذى، وصبر على جميع الصعاب وكان نهجه في ذلك الصفح والعفو عن المسيء، ونحن أيضاً ينبغي أن نقتفي أثر رسول الله صلى الله عليه وآله وجدّنا سيّد الشهداء والإمام الصادق سلام الله عليهما وأن نصبر على الأذى.
في جانب آخر من كلمته، أكّد سماحة السيد الشيرازي: لا شكّ في أنّ الرسول الأكرم والإمام أمير المؤمنين والسيدة الزهراء والإمام الحسن المجتبى عليهم أفضل الصلاة هم أعلى مرتبة من الإمام الحسين سلام الله عليه إلاّ أنّ إرادة الله التكوينية والتشريعية شاءت أن يكون لهذا العبد الصالح مقاماً ومكانة لم يخصّ الله بها أحداً من عباده غيره.
وكأنّ الله أراد بذلك المقام العظيم الذي اختصّ الإمام الحسين سلام الله عليه به، ومن خلال تلك العبارة التي تضمّنتها زيارة عاشوراء، أن ندعوه ببركة الإمام الحسين سلام الله عليه والكرامة العظيمة التي يحظى بها عنده أن يمنّ علينا بالكرامة في الدنيا والآخرة.
وتابع سماحة السيد كلمته مستعرضاً المصاعب التي تحمّلها الزائرون والخطباء والمعزّون الحسينيون عبر التاريخ، وموضّحاً أنّه لأمر عجيب بقاء نور مجالس العزاء الحسينية وهّاجاً على الرغم من تلك المضايقات والمتاعب، وقال: إنّ ذكرى عاشوراء بقيت حيّة في الأذهان ومتجذرة في الضمائر رغم التصدّي لها ومحاربتها من قبل أعداء أهل البيت سلام الله عليهم، حتى أنّ نقل فضائل سيّد الشهداء سلام الله عليه كان يعدّ جريمة لا تغتفر في بعض مقاطع التاريخ.
ينقل لنا التاريخ أنّ رجلاً ظالماً من عمّال بني العباس يدعى نصر وكان من بطانة المتوكّل العباسي والمقرّبين منه، روى حديثاً عن رسول الله صلّى الله عليه وآله في باب فضيلة الإمام سيّد الشهداء سلام الله عليه، وعندما تناهى ذلك إلى علم المتوكّل أمر بجلده ألف جلدة.
وفي عصرنا الراهن، وتحديداً في عهد عبد الكريم قاسم حاربت الحكومة بعض مظاهر العزاء الحسيني ومنعته، فكان يُرَشّ الملح والفلفل على جروح المعزّين الحسينيين، ولكن كانت نتيجة ذلك، أن قُتل عبد الكريم قاسم ولم يعش إلى محرّم السنة اللاحقة.
وأردف سماحته: لقد عُذّب الكثيرون بسبب إحيائهم لمجالس العزاء الحسينية وأحرقوا وشرّدوا وقتّلوا لكن بقي اسم الإمام الحسين سلام الله عليه خالداً لم تمحه هذه الممارسات. ولم تنفرج هذه الشدّة إلاّ في السنتين الأخيرتين عقب حكم البعث في العراق حيث أتيحت الفرصة للزائرين لزيارة العتبات المقدسة، وحسب الإحصاءات التي نشرتها الجهات الأجنبية، فقد تشرّف حوالي 12 مليون زائر من الجمهورية الإسلامية بزيارة كربلاء المقدسة.
وينقل أحد خطباء المنبر الحسيني بتعجّب وشغف عن إقامة مجالس العزاء الحسينية في إحدى المدن القريبة من القطب الشمالي التي زارها لأجل التبليغ، حيث يروي أنّ صوت مراسيم العزاء كانت تداعب الآذان حيث كان عدد قليل من المعزّين يحيون شعائر العزاء الحسينية في طقس قارص شديد البرودة والانجماد.
ووصف سماحته تاريخ عاشوراء بأنّه تاريخ مثير وعظيم، حيث قال: يأبى الله إلا أن يستمرّ ذِكر أبي عبد الله، وأن يتمّ نور سيّد الشهداء سلام الله عليه في القلوب. بعد ذلك أشار سماحته إلى الآية الشريفة: «لِيَهلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ»، فقال: قضت حكمة الله أن يهلك المتوكّل العباسي عن بيّنة وأن يحيا شهداء كربلاء حياة خالدة وأبدية ولكن عن بيّنة أيضاً. ولو لم تكن عاشوراء، أنّى لنا أن نتعرّف على حقيقة عمر بن سعد أو زهير بن القين الذي قيل عنه بأنّه كان عثماني الهوى؟ كما ينقل التاريخ بأنّ شمر وحبيب بن مظاهر كانا رفيقين ومن مدينة واحدة، لكن واقعة كربلاء هي التي فرّقتهما، وكشفت للملأ عن حقيقة كلّ منهما، فلولا عاشوراء لما علمنا بأيّ من هذه الأمور.
وأضاف آية الله العظمى السيد الشيرازي يقول: كان الشيخ جعفر الشوشتري أحد مراجع التقليد في عصره حيث له رسالة عملية بعنوان (منهج الرشاد)، وهي رسالة فريدة من حيث تبويب الموضوعات وتصنيفها، وقد علّق عليها صاحب العروة والآخوند، يروى أنّه ذات مرّة وهو راجع من زيارة له إلى مدينة مشهد المقدسة إلى طهران صعد المنبر في إحدى المدن في طريق عودته، وذلك بطلب من ثلة من المؤمنين. وفي إحدى خطبه التي اعتبرها البعض مؤثّرة للغاية قال الشيخ الشوشتري: عندما عزمت على المجيء إلى هنا رأيت دابة وقد أفرغت حملها في المكان المقصود وعندما وقع نظري على عينيها كان لسان حالها يقول لي: يا شيخ جعفر، لقد أدّيت ما أنيط بي من واجب على أحسن وجه ونقلت الحمل إلى المنزل، فهل أدّيت ما عليك من مسؤولية؟ هل نقلت الحمل إلى مقصده؟
وفي خطابه إلى المبلّغين الحسينيين قال سماحة آية الله العظمى الشيرازي: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، كلّنا مسؤول، لأنّ مهمّة التبليغ مناطة بالجميع، لكن القسط الأكبر منها يتحمّله أهل العلم، والجميع بدءاً من مرجع التقليد حتى التلميذ يتحمّل مسؤولية إزاء واقعة عاشوراء ونشر الثقافة الحسينية. حاولوا أن توظّفوا هذه المناسبة بشكل أكبر من السنوات السابقة، وكذلك حاولوا أن توسّعوا من صدركم وصبركم على الشدائد والصعاب، واعلموا أنّ الإمام الحسين سلام الله عليه في غنى عن تبليغنا وكتاباتنا وخدماتنا، بل نحن والعالمين جميعاً بحاجة إلى كرمه ولطفه صلوات الله عليه.
كما أكّد دام ظله: إنّ من أهم واجبات المبلّغين والدعاة هو الاهتمام بشريحتي الناشئة والشباب، كما أن من وصايا المغفور له أخي أعلى الله مقامه في مثل هذه المناسبات هي: حاولوا أن ترسّخوا الثقافة الحسينية في ضمير الشباب، فالإمام الصادق سلام الله عليه في خطابه إلى أبي جعفر الأحول (مؤمن الطاق) يقول: «عليك بالأحداث فإنهم أسرع إلى كل خير».
هذا وأنهى سماحة المرجع الشيرازي كلمته بالدعاء إلى الله بمزيد من التوفيق للمبلّغين في إقامة الشعائر والمراسم الحسينية والتقرّب من أهداف أبي عبد الله سلام الله عليه، وأن يمنّ عليهم بالكرامة عند الله عزّوجلّ.