طلبة جامعيين من مدينتي إصفهان وأراك يلتقون سماحة السيد الشيرازي دام ظله
ويستمعون إلى توجيهاته وإرشاداته

زار وفد مؤلّف من طلبة الجامعة العلمية التطبيقية في أصفهان وطلبة جامعة أراك المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة، حيث استمعوا إلى كلمة سماحته وكذلك كلمة حجة الإسلام والمسلمين السيد جعفر الشيرازي دام عزّه.
بعد الإشارة إلى قول للإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام قال سماحته، لعلّنا نتصوّر أنّ معظم المشاكل والضغوطات النفسية التي تعترضنا في حياتنا اليومية هي بفعل عوامل خارجية عدّة ، لكنّ الحقيقة هي أنّ العلّة تكمن في داخلنا .
على سبيل المثال، إنّ سماعنا لعبارات السبّ والشتم يثير فينا شعوراً بالإنزعاج والأذى، في حين هناك أشخاص يقابلون سبّ السبّابين الجهلة بالصفح الكريم، ولا ينزعجون من حماقتهم وقلّة عقولهم.
وأضاف سماحته: في الحقيقة أنّ منشأ العديد من الآلام والمعاناة الروحية تعود إلى ذواتنا، فالروح الإنسانية لها القدرة على استيعاب هذه الصدمات والعذابات دون أن تعاني أدنى مشكلة، على هذا الأساس فإنّنا نحمل في دواخلنا الداء والدواء معاً، وهذا أمر مهم وخطير في نفس الوقت، ومن يلتفت إليه ويعمل به سيجنّب نفسه الكثير من الأحزان والهموم الدنيوية التي لا داعي لها.
وأشار سماحته إلى أنّ الإنسان مكوّن من توليفة من القوى المختلفة والمتضادة من الآمال والمعتقدات وأضاف: تعنى الآمال أو الشهوات بالجانب المادّي الحيواني من الإنسان، أمّا المعتقدات الإيمانية فهي تتعلق بالجانب الروحي والنفساني منه. وعندما تتصادم الآمال والمعتقدات فصلاح الإنسان هو في أن يؤثر الثانية على الأولى وأن يكبح شهوات النفس وأهوائها.
بعد ذلك ألقى حجة الإسلام والمسلمين السيد جعفر الشيرازي كلمة في الحاضرين رحّب في بدايتها بمقدمهم ثم أشار إلى الآية الكريمة «نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ»(1) وقال: من طبيعة العلم أن يزرع الغرور والكبر في نفس الإنسان وإن لم يرد ذلك على لسانه ويظهر على جوارحه، فهو غرور يسكن تلافيف القلب، وقد تولّد هذه الحالة – للأسف – تمرّداً في أعماق الإنسان العالم على المسائل الدينية والقيم وتفضي به إلى التشكيك بقضايا الدين والشرع، أما إذا كان تعلّم العالم طلباً لمرضاة الله وتوظيفه في خدمة طريق الله، وأن يستعيذ بالله من الكبر والغرور، فلا شكّ أنّه في هذه الحالة سيكون بمنجى عن آفات العلم و سكراته.
وأضاف فضيلته يقول: من هنا نرى إهمال الأوساط الجامعية للقضايا الدينية، حيث أنّ بعضهم لا يطيق الحالات الدينية بل أنّهم لا يتوانون عن محاربة المظاهر الدينية. كذلك يحدث أحياناً أن يتعرّض الأفراد المؤمنون في مثل هذه الأوساط إلى الاستهزاء بسبب اهتمامهم بالصلاة و الأمور الدينية فينظر إليهم نظرة استصغار و أنّهم شريحة تقليدية بالية.
وتابع: لا ينبغي للمؤمن أن يتأثّر بمثل هذه الأجواء، بل عليه أن يسعى للتأثير على البيئة التي يعيش فيها وأن ينشر فيها مبادئه وقيمه الحقّة التي يؤمن بها، لأنّ الله تعالى خلق الإنسان أقوى من كل الظروف والأجواء الصعبة، ويستطيع هذا الإنسان التغلّب على جميع عقبات البيئة ومشاكلها، شرط أن يوظّف الإمكانات والطاقات التي حباه الله بها إلى أقصاه.
وفي جانب آخر من حديثه، قال السيد جعفر الشيرازي: الاستهزاء من الصفات الأخلاقية المذمومة جداً وهو سلاح الإنسان العاجز الضعيف الذي لا يملك منطقاً أو حجة. وما برح المؤمنون المتّقون عبر التاريخ يتعرّضون إلى سخرية الجهلة والسفهاء، وما من نبي إلا وتعرّض إلى أذى وسخرية المشركين والمنافقين بالقول والفعل لكن ذلك لم يثنهم وكذلك المؤمنين عن مبادئهم ولم يجعلهم يحيدوا عنها قيد أنملة، بل ازدادوا ثباتاً وإصراراً على التمسّك بعقائدهم وإيمانهم وتجاهلوا استهزاء المستهزئين وسخريتهم، نحن أيضاً يجب أن لا تؤثّر علينا مثل هذه التصرّفات بل ينبغي لنا مواصلة المسيرة وأن نحثّ الآخرين على الاهتمام بالقضايا الدينية ومراعاة الشؤون الإسلامية.
وأكّد: إنّ على الإنسان ألاّ يحسب لآراء الناس حساباً وما يعجبهم وما لا يعجبهم، إذا كان سائراً على الطريق الصحيح إذ ربّما يكونوا على غير هدى من أمرهم فيغوون الآخرين باتّباع باطلهم. يقول الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله: «يا عمار ! إذا رأيت عليّاً سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره فاسلك مع علي ودع الناس، إنه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من الهدى»‏.
ومثال آخر، أصحاب الإمام الحسين عليه السلام الذين كانوا قلّة قليلة لكنّهم مع ذلك لم يصغوا لنعيق الأكثرية والرعاع من الناس، وآثروا تنفيذ أمر الله تعالى واتّباع أمر وليّه ، لذلك يجب على الإنسان أن يسلك طريق الحقّ وأن يعمل صالحاً، سواء رضي الناس عنه أو لم يرضوا.
كما أشار السيد جعفر الشيرازي إلى مسلسل العداء الطويل الذي أظهره أعداء الإسلام في عالمنا المعاصر ووضعهم العصي في عجلة الإسلام حيث قال: لا أخفي عليكم أنّ معظم الطعنات التي يتلقّاها جسد الإسلام هي بسبب الخناجر المسمومة للمنافقين والجماعات المعادية للإسلام.
إنّ هناك أموالاً طائلة تنفق في عصرنا الحاضر لمحاربة الإسلام الحقيقي والمدّ الإسلامي المتنامي، لكن مع ذلك فإنّ الإحصائيات المتاحة تبشّر بأنّ الدين الإسلامي الحنيف يتعاظم نفوذه وتتّسع دائرته في العالم وبخاصة في عقر دار الغرب. على سبيل المثال، منذ فترة أعلنت بعض وسائل الإعلام الغربية أنّ عدد أفراد الجالية الإسلامية في إيطاليا تجاوز المليون نسمة، كما ذكرت الإحصائيات نفسها أنّ نسبة المسلمين في فرنسا وصلت إلى 5/3 في المئة.
وأنهى حجة الإسلام والمسلمين السيد جعفر الشيرازي حديثه بطرح السؤال التالي: لماذا ينمو الإسلام ويتوسّع على الرغم من كل ما يحاك ضدّه من مؤامرات؟ أليس لأنّ الإسلام هو دين الحقّ، و إنّ هذا الحقّ سينتصر في النهاية ولن يوقفه أي شيء؟ فالله تعالى يقول في محكم كتابه: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ»(2)، وفي المقابل فإنّ الباطل سيزهق وهو إلى زوال وفناء، وهو ما تؤكّده الآية الكريمة : «إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا»(3).


1/ سورة يوسف(12)، آية 76.
2/ سورة التوبة (9)، آية 33.
3/ الاسراء (17)، آية 81.