سماحة الشيخ الفدائي في مجلس يوم الجمعة:
العشرة الأولى من شهر ذي الحجة الحرام فرصة عظيمة للتقرّب إلى الله سبحانه

ضمن سلسلة المحاضرات الأخلاقية في بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله الوارف، تطرّق في الجمعة الماضية سماحة الشيخ الفدائي دامت بركاته إلى الآية الكريمة: «وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلِةً وَقَالَ مُوسَى لأَِخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ»(1)، ثم قال: أولت معظم الروايات الأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة مكانة خاصة حيث عرّفها القرآن الكريم بالأيام المعلومات. وكذلك فعل الصحابة والتابعون حيث اهتمّوا بها كثيراً وبالعبادات التي تكتنفها، وفي بيان عظمتها ومكانتها يقول رسول الله صلى الله عليه و آله: «ما من أيام، العمل الصالح فيها أحبّ إلى الله عزّوجلّ من أيام العشر يعني عشر ذي الحجة»(2).
كما ورد في الروايات أنّ صيام الأيام التسعة الأولى من ذي الحجة تعادل صيام العمر بأكمله.
كذلك تطالعنا بعض الروايات بأنّ من قرأ صلاة العشرة الأولى من شهر ذي الحجّة أصاب ثواب جميع الحجيج الذين تجشّموا عناء السفر إلى بيت الله الحرام لإقامة المناسك، من هنا نرى أنّ هذه الأيام (العشرة الأولى من شهر ذي الحجّة) هي بمثابة فرصة عظيمة يجدر اغتنامها للتقرّب إلى الله تعالى.
وعدّ سماحة الشيخ الفدائي الآية المذكورة «ووَاعَدْنا مُوسى ...» مهمّة للغاية حيث تنطوي على ملاحظات ونقاط جوهرية وحسّاسة، مضيفاً: لقد استخلف النبي موسى عليه السلام أخاه هارون في بني إسرائيل أثناء غيبته التي استغرقت شهراً واحداً، وفي هذا دلالة واضحة على أهمية موضوع خلافة الأنبياء، فعندما يحرص النبي موسى (ع) على عدم ترك أمّته بدون قائد حتى ولو لفترة قصيرة، فذلك يعتبر برهاناً على أنّ خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله قد عيّن خليفة له ولم يكل أمر أمّته إلى نفسها.
الملاحظة الأخرى التي تسترعي الانتباه في هذه الرواية كلمة «وأصلِحْ» الواردة في كلام النبي موسى (ع)، وإصلاح الأمة أمر بالغ الأهمية والخطورة وفي الوقت ذاته يترتّب عليه ثواب جزيل. يروي الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله أنّه قال: «صَلاحُ ذاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنٰ عامَّةِ الصَّلاةِ وَالصّيامِ»(3).
على هذا الأساس، يجب علينا جميعاً، كلٌّ من موقعه، أن نتصدّى لمسؤولية الإصلاح، لا الإفساد، وذلك لأنّ الآية الكريمة تستطرد قائلة: «وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ»، بمعنى أنّه لا يكفي أن نكون من المصلحين فحسب، بل يجب أن نبتعد عن طريق المفسدين أيضاً.
وفي إشارة منه إلى السابع من شهر ذي الحجّة ذكرى استشهاد الإمام محمد الباقر عليه السلام، قال سماحة الشيخ الفدائي: لقد استشهد الإمام محمد الباقر سلام الله عليه على يد إبراهيم بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان عن عمر يناهز الـ 57 عاماً.
وكان عليه السلام أول إمام معصوم يؤسّس لجامعة تدرّس فيها العلوم الإسلامية وقد درس على يديه قوافل طويلة من التلاميذ، وقدّم للأمة الإسلامية خدمات علمية جليلة، جعلت جهابذة علماء عصره يشهدون له بالفضل والرجحان ويقرّون بعجزهم عن مجاراته. من هنا، جاءت تسمية جدّه المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله له بـ «باقر العلوم».
ثم نوّه الشيخ الفدائي إلى الكمّ الهائل من الروايات المنقولة عن الإمام الباقر سلام الله عليه، من جملتها الرواية التالية: قال الإمام محمد الباقر عليه السلام: «ثلاث لم يُسأل الله عزّوجلّ بمثلهن: أن تقول اللهم فقّهني في الدين، وحببني إلى المسلمين، واجعل لي لسان صدق في الآخرين»(4).
وأضاف موضّحاً: التفقّه في الدين وعلومه من أعظم النعم التي يمنّ بها الله تعالى على عباده، وفي الواقع يمكن القول بأنّ أعلى مراتبه هو معرفة الله تعالى.
وفي نهاية حديثه تناول سماحته موضوع المكانة والحبّ اللذين يحظى بهما النبي إبراهيم عليه السلام بين جميع الأمم وأتباع الديانات السماوية حيث قال: لقد دعا النبي إبراهيم عليه السلام ربّه أن يمنّ عليه بالسيرة الحسنة في الأمم اللاحقة، لهذا السبب نلاحظ اليوم المكانة والاحترام الكبيرين اللذين يتوافر عليهما هذا النبي الجليل لدى جميع أمم وشعوب الأرض، وقد وصل الأمر إلى أن اختلف المسيحيون واليهود بشأنه حيث يحاول كلّ طرف أن ينسبه إليه ، لكنّ الله تعالى حسم الأمر في قرآنه العظيم عندما قال: «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»(5).


1/ سورة الأعراف: الآية142.
2/ إقبال الأعمال/ ابن طاووس/ ص317.
3/ الكافي/ج7/باب صدقان النبي وفاطمة والأئمة سلام الله عليهم/ ص49/ح7.
4/ أمالي الطوسي/المجلس11/ص303/ح50.
5/ سورة آل عمران: الآية67.