زارهما حجّاج من الدانمارك والسويد
سماحة السيد دام ظله: لاتستخفّوا بالطاعات ولا تستصغروا المعاصي، فلكليهما آثار وضعية
سماحة السيد رضا الشيرازي: يحسن بالمؤمن أن يتفوّق على الآخرين في جميع المجالات

زار عدد من حجاج بيت الله الحرام من الدانمارك والسويد سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بقم المقدسة.
في هذا اللقاء رحّب سماحته بالضيوف الكرام متمنّياً لهم حجاً مبروراً، وأشار إلى مسألة طاعة الله ورضاه حيث قال: جاء في الحديث الشريف عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «إن الله تبارك وتعالى... أخفىٰ رضاهُ في طاعتِهِ فلا تَسْتَصْغِرَنَّ شيئاً مِن طاعتِهِ فَرُبَّما وافَقَ رِضاهُ وأنتَ لا تَعْلَمُ...»(1).
ثم أضاف سماحته: إنّ الدعاء والذكر والصلوات الواجبة والمستحبّة، وكذلك كلّ منسك من مناسك الحجّ، والصبر وحسن الخلق وصلة الرحم ... إلخ جميعها تعتبر من الطاعات، والتي يتحتّم على الإنسان أداؤها وأن يحذر من الاستهانة أو الاستخفاف بها، حتى ما بدا له منها غير ذات أهمية مثل استغفار الإنسان في جوف الليل في لحظة جفاه النوم فيها، حيث أنّ الله تعالى يذكر ذلك في كتابه الكريم بقوله: «وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ»(2) وقد يكون رضا الله تعالى في هذه الطاعات التي قد تبدو قليلة الأهمية، من هنا لا ينبغي للإنسان أن يستصغر أيّاً من هذه الطاعات ويقصّر في أدائها.
وتابع سماحة المرجع الشيرازي كلمته بالقول: بعض الحجاج يعودون إلى أهليهم بجزيل الثواب وأتمّه، وقد نالوا ثواب الله ورضوانه، ولكن البعض الآخر يرجع بخفّي حنين هذا إن لم يبؤ بغضب الله وسخطه (والعياذ بالله).
جاء في رواية إبان بن تغلب أنّه قال: «كنتُ معَ أبي جعفرٍ في ناحيةٍ من المسجدِ وقومٌ يُلَبُّون حولَ الكعبةِ فقال: أترى هؤلاء الّذين يُلَبّون؟ واللهِ لأصواتُهُم أبغضُ إلى اللهِ مِن أصواتِ الحمير»(3).
وفي شرحه لهذه الرواية قال سماحته: ليس المسجد الحرام مكاناً للتلبية، بل الميقات ويستحبّ أن تستمرّ التلبية حتى مكّة المكرمة، ولكن بمجرّد رؤية الحاجّ لمساكن مكّة يجب أن يتوقّف عنها لأنّ معنى التلبية هي: ربّاه قد دعوتني فلبّيت الدعوة، تماماً كما يدعونا أحد إلى بيته فنلبّي دعوته عن بعد بقولنا: سمعاً وطاعة قد سمعنا وها نحن قادمون، ولكن عندما نصل إلى بيته أو استضافنا على مائدته، فلا يعود معنى لقولنا : سمعاً وطاعة إننا قادمون ...إلخ.
في جانب آخر من حديثه، قال سماحة المرجع: بالإضافة إلى أنّ المعاصي تعتبر خروجاً عن طاعة الله، فهي تنطوي على آثار وضعية أيضاً، على سبيل المثال: إنّ قطع الرحم والخصام مع الأقارب يقصّر في عمر الإنسان ويعجّل في أجله.
بعد ذلك ألقى سماحة آية الله السيد محمد رضا الشيرازي دامت بركاته نجل المغفور له المرجع الراحل رضوان الله عليه كلمة في الحاضرين استهلّها ببيان أهمية التقوى ودورها قائلاً:
يكفي دليلاً على أهمّية التقوى ودورها أنّ آخر شآبيب الوحي – بحسب بعض العلماء – التي نزلت على قلب الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله كانت في التقوى، وهي الآية الكريمة: «وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ»(4)، فالتقوى هي أن يكون قلب الإنسان يقظاً وحذراً، وأن يحتاط في أعماله.
وقال: روي أنّ أحد أصحاب الأئمة عليهم السلام وهو صفوان بن يحيى وهو رجل ثقة، كان في مكة المكرمة وقد عزم على السفر إلى الكوفة، فحمّله أحد جيرانه أمانة (ديناران) ليوصلها إلى أهله في الكوفة، فقال له صفوان: يجب أن أسأل صاحب المركب (الجمل) الذي استأجرته منه إن كان يأذن لي بحمل هذا المبلغ.
كما نقل عن المحقق الأردبيلي – الذي كان قمة في التقوى والقدسية و الاحتياط – أنّ أحد الأشخاص حمّله أمانة عندما كان في الكاظمية ليوصلها إلى النجف الأشرف، فقام برحلته إلى النجف مشياً وأوصل الأمانة إلى صاحبها وذلك لجهة أنّ الجمل الذي سافر عليه كان مستأجراً ولم يكن قد استأذن صاحبه في حمل هذه الأمانة.
كما روي عن آية الله الخونساري أنّ فترة استئجاره لمنزله كانت قد شارفت على الانتهاء، ولم يكن صاحب المنزل موجوداً وقتها ليجدّد عقد الإيجار معه فأخلى المنزل وافترش قارعة الطريق هو وأسرته حتى هيّأ له أحد المؤمنين منزلاً وانتقل إليه.
وتناول السيد محمد رضا الشيرازي في موضع آخر مسألة حُسن الخلق قائلاً: لا يختلف أحد على أهمية الأخلاق بدليل الحديث النبوي الشريف «إنّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ»(5) الذي يؤكّد على غائية بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، إنّ الفائدة الأولى التي يجنيها الإنسان من حُسن الخلق هي الراحة النفسية في هذه الدنيا واجتناب الضغط العصبي والعديد من المشاكل والأزمات، وفي المقابل فإنّ أول ما يلمّ بالإنسان بسبب سوء الخلق هو معاناته واضطرابه وفقدانه للاستقرار.
وأضاف: من الخصال الحميدة القبول بما قسمه الله تعالى وقضاه، وهذا يختلف عن الصبر، وذلك لأنّ المعضلات والنواقص لن تنال من الإنسان الراضي بقسمه والقانع بما كتب الله له. وفي هذا السياق، يقول ديل كارنيجي أحد العلماء الغربيين: أربعون سنة وأنا أبحث عن السعادة حتى أدركت في نهاية المطاف أنّ مفتاح السعادة هو أن ترضى بما قسمه الله تعالى لك. وقد سبق أئمتنا عليهم السلام المفكّرين الغربيين بهذا الكلام بنحو ألف و أربعمئة سنة.
بعد ذلك انتقل آية الله السيد محمد رضا الشيرازي إلى محور آخر مهم وهو خدمة الناس حيث قال: يعجّ عالمنا بملايين الفقراء والجياع والمحرومين، وهذا يحتّم علينا المساهمة في التخفيف من معاناة هؤلاء قدر استطاعتنا وليس أدل على أهمية هذا العمل من الحديث الشريف المروي عن الإمام الصادق سلام الله عليه القائل: «سُئِلَ رسول ‏الله صلّى ‏الله عليه وآله: مَن أحبُّ النّاسِ إلى اللهِ؟ قالَ: أنفعُهُم لِلنّاسِ»(6).
بعد ذلك وجّه السيد محمد رضا الشيرازي خطابه إلى الجاليات المسلمة في بلاد الغرب قائلاً: حاولوا أن تقدّموا الصورة الواقعية للإسلام إلى العالم وعلى الأخص الغربيين، فالإسلام إسلامان: إسلام علي بن أبي طالب عليه السلام وإسلام معاوية وأمثاله الذين تسمّوا بالإسلام زوراً وبهتاناً. وممّا يؤسف له أنّ النمط الثاني هو الانطباع الراسخ في أذهان الغربيين عن الإسلام حيث مفاهيم الديكتاتورية والعنف والإرهاب وهي مفاهيم تعود بجذورها إلى معاوية وسياساته وسائر الحكّام المستبدّين. تعلمون أنّه كانت لدى معاوية فرق خاصة مهمّتها الإغارة على المدن والقرى الآمنة وقتل وترويع العزّل من الشيوخ والنساء والأطفال، وكانوا ينسبون تلك الأعمال - في معظم الأحيان - إلى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لتشويه سمعته عند أهالي تلك المناطق، في حين أنّ عدالة الإمام عليه السلام بلغت شأواً بعيداً حتى قال: «واللهِ لو اُعطيتُ الأقاليمَ السَّبعةَ بِما تحتَ أفلاكها علىٰ أن أعصيَ ‏اللهَ في نملةٍ أسلُبُها جِلْبَ شعيرةٍ ما فَعَلْتُهُ»(7).
وبالنسبة للدعوة والتبليغ العملي فإنّ آية الله الشيرازي يرى أنّهما أكثر تأثيراً وأبلغ في النفس من التبليغ الكلامي حيث قال: يجب أن نكون مبلّغين ودعاة لنهج أهل البيت عليهم السلام بعملنا قبل لساننا، وأن تكون أعمالنا تجسيداً حيّاً لقيمهم النبيلة وتعاليمهم الأصيلة، وأن لا ننسى نقطة مهمة وهي أنّ الآخرين ينظرون إلى أعمالنا وتصرّفاتنا ـ حسنة كانت أو قبيحة ـ من زاوية الإسلام، وقد روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال: «كونوا دعاة النّاس بأعمالكم ولا تكونوا دعاة بألسنتكم»(8)، على هذا الأساس ، يجب أن نحرص على عدم تشويه صورة الإسلام بسلوكنا وأعمالنا، وأن نسعى إلى ترغيب الآخرين في الإسلام ونجذبهم إليه.
وفي إشارة إلى الآية الكريمة «وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ»(9) قال السيد محمد رضا الشيرازي: يحسن بالمؤمن أن يتفوّق على الآخرين في جميع المجالات العملية والاقتصادية والاجتماعية ...إلخ. ولا ننسى أنّ القوة الاقتصادية تعتبر سبباً في القوة الاجتماعية، لكن مع ذلك فإنّ الإحصائيات تشير وللأسف إلى أنّ 80% من اقتصاد الولايات المتحدة هو في قبضة اليهود الذين لا يتجاوزون بضع ملايين نسمة، بالإضافة إلى سيطرة هذه الأقلية على أهم مراكز الثقل الاقتصادية في العالم، ومن هنا يمكننا أن ندرك أنّ ما نعانيه من مشاكل عديدة ومحاولات معادية للثقافة والهوية الإسلامية في العالم هي من صنع هذه الأقلية القليلة والجاحدة.
وفي الختام، قال سماحته مؤكداً: إذا امتلكنا أسباب العزة والقدرة في النواحي الاقتصادية والاجتماعية ... إلخ وألبسنا سلوكنا وكلامنا ثوباً إسلامياً وقدّمنا قيمه الأصيلة في إطارها الصحيح سنجد حينذاك إقبال الناس على الإسلام أفواجاً أفواجاً بعون الله تعالى تجسيداً للقول الإلهي: «وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا»(10).


1/ وسائل الشيعة/ج1/باب28 عدم جواز استقلال شيء من العبادة و.../ص116/ح291.
2/ سورة الذاريات: الآية 18.
3/ الكافي/ج4/ باب النوادر/ ص540/ح2.
4/ سورة البقرة:الآية281.
5/ بحار الأنوار/ج68/باب92حسن الخلق و../ص382.
6/ مستدرك الوسائل/ج12/باب22استحباب نفع المؤمنين و../ص39/ح7.
7/ نهج البلاغة/ الخطبة 224/ ص346.
8/ قرب الإسناد/ للحميري/ ص37.
9/ سورة آل عمران: الآية 139.
10/ سورة النصر: الآية2.