سماحة السيد دام ظله في كلمة بجمع من الناشطين الدينيين من إصفهان:
سعادة المرء بسلامة قلبه وطهارة روحه وليست بامتلاك الثروات والجاه الدنيوي والطعام الفاخر

زار وفد من الناشطين الدينيين ومحبّي أهل البيت عليهم السلام في مدينة إصفهان سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله الوارف في منزله بمدينة قم المقدسة، واستمعوا إلى إرشاداته و توجيهاته، كما استمعوا إلى كلمة حجة الإسلام والمسلمين السيد جعفر الشيرازي دام عزّه.
في بداية اللقاء، رحّب سماحة المرجع بالوفد الزائر، واستهلّ كلمته ببيت شعر منسوب إلى الإمام أمير المؤمنين علي سلام الله عليه يقول فيه:

دواؤك منك ولا تشعر

وداؤك منك ولا تبصر(1)

ثم قال: عبارة قصيرة لكنّها تعادل جبلاً من ذهب وذلك لأنّها تتناول بحراً من المعاني والمفاهيم الأساسية، من تأمّل فيها وغاص في أعماقها وعمل بمضامينها نال سعادة الدارين.
وأضاف سماحة المرجع: طبعاً ليس المقصود بسعادة الدنيا أن تصبح حياة الإنسان خالية من المشاكل، فالدنيا دار ابتلاء وامتحان ومصاعب. لكن المقصود هو أنّ هذه المحن لن تثني من عزيمة هكذا أفراد ، أو تحطّم معنوياته ، أو تجعل عاقبته لا سمح الله المستشفى ، أو المصحات العقلية.
ورأى سماحته بأنّ امتلاك الثروات والجاه والمقام الدنيوي لا تمثّل معايير صحيحة للسعادة والنجاح، حيث قال: ليس المهم أن يكون طعامنا غالياً وفاخراً وطيّب المذاق أو تكون مائدتنا مزيّنة بألوان الغذاء المتعدّدة، بل المهم أن يتناول الإنسان طعامه براحة بال وطيب خاطر، وأن يلتذّ بتناوله، وأن يذهب إلى مضجعه مرتاح الضمير ، فكم من أناس وجبتهم الغذائية هي رغيف بائت، لكنّهم ينامون مرتاحي الضمير والوجدان.
وقال: الثروة ليست مهمة، بل المهم هو أن يعمل الإنسان على توظيف هذه الثروة من أجل سعادته وسعادة أبنائه وراحتهم ورفع الحاجة والعوز عنهم. حتى الصحة والسلامة لا تلعبان دوراً رئيسياً في السعادة، بل المهم سعادة القلب وصحّة وسلامة الروح.
وتابع سماحته: كان لأحد الوعّاظ صهر قضى نحبه على أثر سكتة قلبية، ذات يوم سألته: ممّ كان يشكو؟ فأجاب: لم يكن يشكو من أي شيء، بعد وفاة أبيه اختلف مع إخوته على إرث أبيهم حيث كان يطالب بسهم أكبر بدعوى أنّه صرف مبالغ كبيرة على علاج والده وتهيئة أدويته، ولم يرضخ إخوته لدعواه تلك، في أحد الأيام وبينما كان يتشاجر مع أحدهم على نفس الموضوع انتابته نوبة قلبية فارق الحياة على أثرها... ثم أضاف: هل تستحقّ حفنة من المال أن يفقد الإنسان عمره من أجلها ؟
وفي السياق نفسه قال سماحته: روي أنّ أحد أرحام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله كان يعيش في الصحراء، وكان يملك أراضي زراعية وماشية، في إحدى الليالي اجتاحت السيول منطقته فأتت على كل ما كان يملك إلا طفل رضيع احتضنه وفرّ به وبنفسه من هجمة السيول، وعندما ولّى الليل وأسفر الصبح لم يجد شيئاً ممّا كان يملك، حيث أكلت السيول الحرث والنسل والماشية، فتدبّر في حاله كيف أنّه كان في نعمة وبحبوحة وأصبح في فقر وعدم، في هذه الأثناء لمح على مرأى البصر ناقة تقف حائرة يبدو أنّها كانت بمنأى عن غضب السيول، فأبقت عليها، ولم يكن في تلك الفلاة سوى تلك الناقة وهو ورضيعه الذي كان بحاجة إلى لبن يرتضعه، لذلك قام الرجل بحلب الناقة وتخفيف الحليب بالماء ليرضع طفله. في أحد الأيام، جفلت الناقة وهربت في بطن الصحراء، ومعلوم أنّ الناقة إذا جفلت يستمرّ هروبها لعدّة كيلومترات، فتبعها الرجل ليرجعها لكنّه رأى وراءه ذئباً يحوم حول طفله الرضيع، فقفل راجعاً لينقذ طفله من براثن الذئب، وفي خضمّ دفاعه عن الطفل سدّد الذئب ضربة إلى وجه الرجل أفقدته وعيه، ليفيق بعد فترة ويجد نفسه فاقداً البصر.
ثم ختم سماحة المرجع كلمته بالقول: إنّ الفقر والسجن والزوجة السيئة الخلق والشريك السيّئ والجار المؤذي لا تشكّل هواجس حقيقية للإنسان، وإنّما الضغوط التي تسبّبها هذه الأمور على الحالة النفسية هي الهواجس الحقيقية حيث لا ينفع معها طبيب أو علاج، بل إنّ العلاج الناجع يكمن في باطن الإنسان، ويسكن وجوده. نعم، إنّ الدنيا دار بلاء ومصائب، والمكان الوحيد الذي يخلو من المصائب هي الجنة، فمن أدرك أنّ داءه ودواءه فيه ومنه ، ذاق طعم الراحة والاستقرار في هذه الدنيا
بعد ذلك ألقى حجّة الإسلام و المسلمين السيد جعفر الشيرازي كلمة استهلّها بالإشارة إلى الحديث النبوي الشريف: «من سنَّ سنةً حسنةً كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سنَّ سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يومِ القيامة»(2)، فقال:
الناس في غالبيتهم مجبولون على التقليد وليس الإبداع والابتكار، وقليل منهم من يبتدع طريقة أو شيئاً ما، فهم أعداء ما جهلوا ويتصدّون لأي فكرة أو طريقة جديدة، ولكن عندما تستقر الأمور يعتادون على ذلك الشيء ويألفونه ويصبح عندهم أمراً عادياً، والشيء نفسه ينطبق على المشركين عندما حاربوا الرسالة وكانوا يقولون للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: لم نسمع بهذا من آبائنا أو أسلافنا.
وبالنسبة للابتكارات والأشياء المستحدثة فإنّ السيد جعفر الشيرازي قسّمها إلى سنن حسنة وسنن سيئة، وقال في هذا الصدد: ربّما تنشأ السنن السيئة من قول أو فعل أو حدث عمدي أو عرضي، على سبيل المثال، استهلّ علي محمد باب فتنة البابية والبهائية بأقواله الضالّة والمضلّة حتى توسّعت هذه الفرقة وأصبح أتباعها اليوم يقدّرون بمليون شخص في جميع أنحاء العالم، ومثال آخر مسألة السفور في بعض الدول الإسلامية مثل العراق التي بدأت بأن قامت بعض النسوة وبأمر من السفارة الإنجليزية بالتجوّل سافرات في بعض أحياء بغداد للترويج لفكرة السفور ولكي يعتاد الناس على هذه الحالة، فيزول قبح هذا العمل ويصبح شيئاً عادياً.
وفي الموضوع نفسه قال السيد جعفر الشيرازي: بإنّ التوبة للذين يضلّون الناس ويحرفونهم عن مسيرهم، شيء أقرب إلى المستحيل وأضاف:
ادّعى رجل في بني إسرائيل النبوة، فجمع حوله عدداً من الأتباع، وبعد فترة ثاب إلى رشده وندم على ما فعل وعزم على التوبة، فقام بربط نفسه بعمود أحد المعابد، فأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان ليقول لذلك الشخص أنّ توبته مقبولة في حالة واحدة فقط وهي أن يرجع جميع أتباعه الأحياء منهم والأموات عن غيّهم ويثوبوا إلى رشدهم، وأن يعترف لهم بضلال أقواله وانحراف أفعاله.
في الختام ذكّر السيد جعفر الشيرازي الحاضرين قائلاً: يستطيع كل منّا ترويج العمل الصالح ونشره وذلك من خلال ابتداع السنن الحسنة في أسرنا وبين أبنائنا. لأنّ ما نزرعه من سنن حسنة في أسرتنا ستنتشر بين الأبناء والأحفاد وسيجتمع حولها جمع غفير من الناس وبهذا سننال نصيباً من ثواب أعمال جميع هؤلاء الأتباع.


1/ ميرزا حبيب‏الله الهاشمى الخوئى، منهاج البراعة في شرح نهج‏البلاغة، ج7، ص36.
2/ الشيخ المفيد، الفصول المختارة، ص136.