سماحة السيد دام ظله في كلمة بحجّاج من ألمانيا:
خدمة الناس من نِعَم الله العظيمة والمحبوبة عنده جلّ شأنه

زار عدد من الحجاج العراقيين المقيمين في ألمانيا سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة.
في البداية، شكر سماحة المرجع أعضاء الوفد زيارتهم مرحّباً بهم أجمل ترحيب ومتمنياً لهم حجّاً مبروراً وسعياً مشكوراً وموضّحاً أنّ خدمة ضيوف الرحمن هي من أفضل ما يتقرّب به العبد إلى الله تعالى ومن أرقى الطاعات، مضيفاً: عزم أحد أصحاب الإمام محمد الباقر سلام الله عليه على أداء فريضة الحجّ مع إحدى القوافل المتجهة إلى مكة المكرمة، وتعلمون مشاقّ مثل هذه الرحلات في ذلك الوقت والأخطار التي كانت تحيق بها، عدا أنّها كانت تستغرق شهوراً عدّة. في هذه الرحلة تطوّع ذلك الشخص ليأخذ على عاتقه مهمّة المحافظة على أحذية المسافرين، وانصرف المسافرون إلى أداء الأعمال العبادية والمستحبّة وحُرم هو من ذلك فاغتمّ لذلك كثيراً، بعد انتهاء الرحلة وأدائه مناسك الحجّ عاد إلى بلده وذهب إلى الإمام الباقر سلام الله عليه وروى له ما جرى في تلك الرحلة، فقال له الإمام سلام الله عليه: «أنت أعظمهم أجراً»(1)
وأضاف سماحة المرجع السيد الشيرازي: طبقاً لما ورد في الروايات، «الصلاة في المسجد الحرام تعدل مئة ألف صلاة في غيرها»(2)، كما روي عن المعصومين سلام الله عليهم الكثير في ثواب بعض الأعمال من قبيل الطواف حول الكعبة المشرفة، والصلاة وتلاوة القرآن الكريم في المسجد الحرام، أو حتى مجرّد النظر إلى الكعبة، لكنّهم مع ذلك وضعوا مسألة خدمة عباد الله وقضاء حوائج الناس في المقام الأول واعتبروها أفضل من أداء العبادات في المسجد الحرام.
وقال سماحته: إن الله تعالى يحبّ خدمة عباده وخصوصاً المؤمنين منهم والحجّاج ولو بمقدار حراسة الأحذية. فخدمة الزوج لزوجته وأطفاله، وخدمة الزوجة لزوجها وأطفالها، وخدمة الأرحام بعضهم بعضاً، وهكذا الأصدقاء وزملاء العمل والسفر هو عمل عظيم عند الله سبحانه، وكلما كانت الخدمة أكبر كان الثواب أعظم.
وأكّد دام ظله: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وهو سيد الأولين والآخرين يقوم بخدمة أصحابه وكان يقوم بأداء بعض الأعمال المنزلية ككنس فناء الدار وغسل ملابسه على الرغم من كثرة مشاغله كرئيس للحكومة وتعليمه الناس العبادات والمعاملات والآداب الإسلامية. فحريّ بالمؤمنين والمؤمنات أن يقتدوا برسول الله صلى الله عليه وآله في خدمة بعضهم وغيرهم ولو بمقدار بسيط. واعلموا أن خدمة الناس من نِعَم الله العظيمة ومحبوبة عنده جلّ شأنه.
بعد ذلك ألقى آية الله السيد محمد رضا الشيرازي دامت بركاته كلمة في الحاضرين بدأها بأمنياته لهم برحلة مفعمة بالخيرات المعنوية، ثم أشار إلى أنّ مسؤولية المسلم الذي يعيش في قلب الحضارة الغربية المتمرّدة هي المحافظة على القيم وأصالة الهوية وتسليم هذه الأمانة إلى الأجيال القادمة، وأضاف:
هناك أيادٍ خفية وخبيثة - بالأخص الأيادي الصهيونية - تحاول سلبنا هويتنا وتجريدنا من أصالتنا ، فمثلاً قضية فرض السفور في الماضي وترويج أنواع الموضات المبتذلة هذه مسائل لا تتعلق باللباس والمسائل الظاهرية للإنسان بل كانت مقدمات لمسخ الهوية الوطنية وطمس القيم الأصيلة والترويج للثقافة والقيم النهليستية الغربية.
وتابع السيد رضا الشيرازي كلمته قائلاً: عالمنا اليوم محكوم بشرعة الغاب حيث القوي يأكل الضعيف، بينما المؤمن يتوافر على طاقة عظيمة اسمها الإيمان يمكنه بواسطتها التصدّي لأمواج الغزو الثقافي العاتية، ولو اجتمعت جهود جميع الأمم على أن تنال من إيمان المؤمن وعزيمته لن تفلح. في كتابه الكريم يصف الله تبارك وتعالى النبي إبراهيم سلام الله عليه بأنّه كان أمة حيث يقول عزّ من قائل: «إنّ إبراهيم كان أمّةً»(3).
كما أكّد السيد رضا الشيرازي على نقطة مهمة وهي: إذا نقلنا تلك الطاقة العظيمة إلى أبنائنا والأجيال القادمة فلن تستطيع أي قوة في العالم أن تفصلها عن ثقافتنا الإسلامية.
وأشار سماحته إلى مسؤولية مسلمي المهاجر المتمثّلة في الدعوة إلى الله وإطلاع الآخرين على عقيدة أهل البيت عليهم السلام وعناصر الجذب والقوة التي تتضمّنها وأضاف: في القرون الإسلامية الأولى تنادى المسلمون علماءً وتجاراً إلى حمل أمانة الإسلام إلى البلاد الأخرى وقاموا بنشره في كل أرض وطأتها أقدامهم، لذلك يجب على المسلمين في هذا العصر كذلك أن يسيروا على خطى السلف الصالح ويسعوا إلى نشر مبادئ أهل البيت عليهم السلام وعلى الأخص التراث الخالد لعاشوراء والإمام الحسين عليه السلام ، وهو بلا شك تراث راقٍ وعظيم.
المسؤولية الأخرى للمسلمين في المهجر من وجهة نظر آية الله الشيرازي تتمثّل في مساعدة المسلمين المضطهدين في العالم على الانعتاق من ربقة الظلم والاستعباد، حيث قال في هذا الصدد: كان عمّنا الشهيد المغفور له السيد حسن الشيرازي يقول دائماً: إنّ لكل شيء زكاة، وزكاة الحرية هي أن نضع هذه النعمة في متناول المحرومين منها، لذلك حريّ بنا أن نرتقي إلى مستوى المسؤولية ونساهم في التخفيف عن معاناة المسلمين المحرومين في العالم وحلّ مشكلاتهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، لأنّ من يسعى في حلّ مشكلات الآخرين وقضاء حوائجهم على قدر استطاعته، فإنّ الله يقضي حوائجه ويحلّ مشاكله.


1/ وسائل الشيعة/ ج13/ ص313 / باب استحباب حفظ متاع....
2/ المصدر السابق / ص 272 / باب تأكد استحباب الإكثار من الصلوة في ....
3/ سورة النحل : الآية120.