سماحة السيد دام ظله في كلمة بجمع من مقلّديه من
إصفهان:
من يكون همّه رضا الله سبحانه يبقى شامخاً ولا تهزه
الشدائد والمصاعب
 |
زار سماحةَ آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي
دام ظله الوارف عددٌ من مقلّديه من مدينة أصفهان و
استمعوا إلى توجيهاته القيّمة بهذه المناسبة.
في البدء ، قال سماحة المرجع الشيرازي: يواجه الإنسان
حيثما كان، في البيت أو الجامعة، وفي السوق وغيره
خياران أحدهما يرتقي به إلى الجنّة والآخر يهوي به إلى
جهنّم. بعبارة أخرى: هناك من الناس من يسلك طريق
الجنّة والفلاح، ومنهم من تزلّ قدمه ويهوي إلى الأعماق
السحيقة، وتكون عاقبته الخسران. وهذا الأمر متوقّف على
الإنسان نفسه ، أيّ الطريقين يسلك، و أيّهما يختار.
وأضاف سماحة آية الله العظمى الشيرازي: لقد وهبنا الله
تبارك وتعالى العقل والفهم ليتمكّن كلّ منّا بحسب
مقدرته وطاقته أن يميز الخبيث من الطيّب والحسن من
القبيح، وإن المعيار الذي يُصنّف بحسبه الإنسان إن كان
من أهل الجنّة أو النار، هو التزامه بما يراه خيراً
وتجنّبه لما يراه شرّاً.
وقال سماحته: إنّ سلوك طريق الجنّة والسعادة مرتبط
باتّخاذ الإنسان قراراً حاسماً وقاطعاً في هذا المجال،
وإنّ أخيار البشر الذي يرتقون مدارج الفضيلة هم الذين
حسموا أمرهم واتّخذوا قرارهم باتّباع وصايا المعصومين
عليهم السلام وتنفيذها بحذافيرها. فإذا ما قرّر
الإنسان منذ حداثة عمره أو شبابه تجنّب ما يراه معيباً
من الأقوال والأفعال ، فلا شك أنّه سيقطع شوطاً بعيداً
في طريق الارتقاء المعنوي والتهذيب الروحي.
وتابع سماحته مشيراً إلى: أنّ إحدى المسائل التي يسلّم
بها كل منّا مهما كان مستوى فهمه واستيعابه هي حسن
الخلق والتعامل الحسن مع الجميع، بمعنى أنّ على
الإنسان أن يبرّ والديه ويُحسن التعامل مع زميله في
العمل وأقاربه والغرباء وحتى مع من أساء إليه ، وأن
يتعاطى معهم بروح سمحة ومنفتحة.
ففي رواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنّه
قال: «فَمَنْ قالَ لَكَ إنْ قُلتَ واحدةً سَمِعْتَ
عشراً [فقلْ لهُ] إنْ قلتَ عشراً لمْ تسمعْ واحدةً»(1).
وبهذه المناسبة ذكر سماحته واقعة حدثت لسماحة المرجع
الراحل السيد محمد الشيرازي أعلى الله مقامه حيث قال:
تعرّض شخص يوماً بكلام بذيء وغير لائق لأخينا المغفور
له سماحة المرجع الراحل قدّس الله نفسه الزكية، ومرّت
الأيام وجاء ذلك الشخص بحضرة المرجع الراحل معتذراً
ونادماً على ما بدر منه قائلاً: أنا لم أكن أعرفك
وإلاّ لما كنت أقدمت على فعلتي تلك، فتبسّم سماحته
رحمه الله وأجاب: قد عفونا عنك وإذا عدت لمثلها في
المستقبل، سنعفو عنك أيضاً.
ثم ختم سماحة المرجع السيد صادق الشيرازي كلمته بقوله:
أمثال الأخ الراحل لا يحملون أعباء شخصية في حياتهم،
وشغلهم الشاغل هو الله والدين لا غير، لذا تراهم
شامخين وصلبين لا تهزّهم المعضلات أو الشدائد حتى في
أدقّ الظروف وأحلك المصاعب.
بعد ذلك ألقى حجّة الإسلام و المسلمين السيد جعفر
الشيرازي دام عزّه كلمة بدأها بالاسترشاد بالآية
الكريمة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأَنتُم
مُّسْلِمُونَ»(2)، بقوله: إنّ وجوب التقوى وحمل النفس
على الامتثال لأوامر الله و الانتهاء عن نواهيه أمر
يعلمه كل مسلم، لكنّ الإنسان ، بالإضافة إلى عقله الذ
ي
يميز به قبح الأعمال المحرّمة فيتجنّبها، ينطوي على
مسائل أخرى مثل الشهوات والأهواء النفسية، وهي من
الخطورة بمكان بحيث يمكن أن تدفع الإنسان إلى تجاهل
عقله وتغليب أهوائه ونزاوته.
لهذا نرى أنّ معظم المنحرفين وأهل الفسق والفجور
يسلّمون بالحُسن العقلي للعفّة والاستقامة ، لكنهم
يعملون بخلاف ما يؤمنون به ، وطبعاً يقوم الإنسان
أحياناً بتبرير سلوكه المنحرف ولجوئه إلى الموبقات ،
بل قد يُلبس هذه التبريرات ثوباً دينياً.
وأضاف فضيلته: الكثير من الناس يستسهلون ارتكاب
المعاصي وهم في حالة من اللامبالاة وذلك بدعوى أنّ
الله أرحم الراحمين وحسبنا شفاعة الأئمة عليهم السلام
وغير ذلك من الحجج الواهية، ومتناسين أنّ الله يشمل
برحمته من التزم شروطها. وكذلك الأمر بالنسبة للشفاعة
فهي لمن كان أهلاً لها وحائزاً على مسبّباتها.
يقول
الله تعالى في كتابه الكريم : «ولا يَشْفَعُونَ إلا
لِمَنِ ارْتَضَىٰ»(3).
وتابع يقول: كلّنا يستوفي حقوقه الدنيوية كاملة غير
منقوصة ، ونقوم بتلبية احتياجاتنا الطبيعية مستندين
إلى رحمة الله وكرمه، لكن عندما يأتي دور القضايا
الأخروية والتقوى نفرّط فيها محتجّين بالحجج نفسها.
وأكّد السيد جعفر الشيرازي في كلمته: إنّ تأدية حقّ
التقوى هي في أن يجعل الإنسان أعماله كلّها بقصد رضا
الله تعالى والتقرّب إليه ، وبعد ذلك لا يهمّ إن كانت
أعماله تحظى بقبول الناس أو لا.
ثم ذكّر: إذا تأمّلنا في المقطع الأخير من الآية
المذكورة «ولا تَمُوتُنَّ إلا وأَنتُم مُّسْلِمُونَ»
سيتّضح لنا بأنّ عاقبة التقوى هي أن يترك المرء هذه
الدنيا وقد اكتمل إيمانه.
وفي موضع آخر من حديثه، قال السيد جعفر الشيرازي: لقد
أضيف إلى المشاكل السابقة التي كانت تعصف بالمجتمعات
الإسلامية، مشاكل أخرى من قبيل شياطين الإنس وأعوانهم
حيث جاء ذكرهم في سورة الناس المباركة التي تؤكّد على
وجود شياطين الإنس علاوة على شياطين الجنّ، الذين
يوسوسون في صدر الإنسان ، فتزيّن له المعاصي وتلبسه
ثوب الغفلة ، فتغوي ضعيفي الإيمان وتدفعهم إلى ارتكاب
المعاصي والأعمال الشيطانية.
نلاحظ اليوم بأنّ مجتمعنا يسير من سيّئ إلى أسوأ ،
وأنّ الآباء والأمّهات لم يعودوا يسيطرون على أبنائهم.
لقد اهتزّ إيمان الأفراد ، وما عادت كلمة رجال الدين –
لأسباب متعدّدة – مسموعة، وفي أوضاع كهذه يجب على
الإنسان أن يكون أكثر وعياً من ذي قبل ، وأن يستعيذ
بالله من شرور نفسه.
وعن تأثيرات البيئة السيئة على الإنسان ، قال السيد
جعفر الشيرازي: إنّ البيئة الملوّثة المشبعة بالمعاصي
والذنوب يمكن أن يكون لها تأثير خطير على الفرد، إلاّ
من اتّقى الله حقّ تقاته وطهّر نفسه من المعاصي ورحل
عن الدنيا وقد سلم دينه وإيمانه.
وختم السيد جعفر دام عزّه كلمته بالتذكير بأنّه: إذا
انشغل كل منّا بإصلاح نفسه وأسرته وأبنائه، صَلُحَ
المجتمع بأكمله ، وحلّ الصلاح والخير محلّ المعصية
والغفلة.