زارهما حجاج من السويد وهولندا..
سماحة السيد دام ظله: الحاج وفد الله، فينبغي الوفود على بيته الحرام بنيّة خالصة وقلب طاهر
سماحة السيد رضا الشيرازي:تربية الأولاد مسؤولية كبيرة والتهاون فيها له عواقب خطيرة

زار المرجعَ الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة عددٌ من الحجاج العراقيين ومن جنسيات أخرى من المقيمين في السويد وهولندا الذين وفدوا إلى إيران لزيارة مشهد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام وكذلك أخته المكرمة السيدة فاطمة بنت موسى الكاظم عليهما السلام، واستمعوا إلى توجيهات سماحته التي استهلها بالحديث الشريف عن الإمام الصادق سلام الله عليه : «الحاج والمعتمر وفد الله»(1) ثم قال:
إنّ الحُجّاج والمعتمرين، شيوخاً وشباباً، رجالاً ونساءً، جميعهم ضيوف الرحمن ، و أي مضيّف أكرم وأرحم من العليّ القدير.
وأضاف سماحته: يتقاطر الملايين من الحجّاج كل عام على مكة المكرمة للتشرّف بزيارة بيت الله العتيق و أداء مناسك الحجّ ، بعضهم يغتنم هذه المناسبة فينهل من معين الرحمة الإلهية ليرجع إلى بيته وأسرته بالهدايا السَنيّة والعطايا المعنوية الوافرة ، وبعضهم لا يسعفه حظّه العاثر فيحرم من أن يغترف من ذلك المعين الثرّ فيرجع إلى أهله خالي الوفاض.
بعض أولئك ينال رضا إمام زمانه حتى يقال له: إمض فقد غفر لك الرحمن ما قدّمت يداك من ذنوب ، ولكن في المقابل ، هناك من لم يُصِبه من مناسكه وحجّه إلا التعب و العناء.
في هذا السياق، جاء في رواية إبان بن تغلب أنّه قال : «كنتُ معَ أبي جعفرٍ[الباقر سلام الله عليه] في ناحيةٍ من المسجدِ وقومٌ يُلَبُّون حولَ الكعبةِ فقال [الإمام]: أترى هؤلاء الّذين يُلَبّون، واللهِ لأصواتُهُم أبغضُ إلى اللهِ مِن أصواتِ الحمير»(2).
كما أكّد سماحة المرجع الشيرازي: هذه المسائل تتوقّف على الشخص نفسه ، إن كان قد شغف قلبه بالشهوات وحبّ الدنيا ، أم نذره في طريق نيل رضا الله وحبّ أهل البيت عليهم السلام.
فالذي أخلص النية لله وطهّر قلبه من المعاصي و الهوى وظلم العباد وذهب إلى زيارة بيت الله فقد أقبل على مُضيّف كريم وربّ رحيم وهو خير من يكرم وفادته ، ففي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنَّ اللهَ لا ينظُرُ إلى صُورِكم ولا إلى أموالِكم ولكنْ ينظُرُ إلى قلوبِكُم وأعمالِكُم»(3).
بعد ذلك ألقى سماحة السيد محمد رضا الشيرازي دامت بركاته كلمة رحّب فيها بالوفد الزائر وتمنّى لهم حجّاً مبروراً وسعياً مشكوراً ، ثم أشار إلى الآية الكريمة «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ»(4) قائلاً: إنّ التعاطي مع الأشياء يتمّ على نحوين:
النحو الأول: تعاط تحرّكه الصدفة.
النحو الثاني: تعاط يستند إلى العلم والحسابات الدقيقة. يقول الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام مخاطباً صاحبه كميل: «يا كمَيل ما مِن حَرَكََةٍ إلاّ وأنتَ محتاجٌ فيها إلى معرفةٍ»(5).
وقال: إن العالم من حولنا يزخر بالعجائب والمعادلات والحسابات المعقّدة بحيث لا يزال العلماء عاجزين عن فك ألغاز وأسرار تلك المعادلات. ونستشفّ من حديث الإمام عليه السلام بأنّ الإنسان يحتاج إلى التأمّل والرويّة والنظام حتى في أبسط المسائل كالنوم والأكل وغير ذلك. فإذا كانت هذه المسائل البسيطة حسب اعتقادنا تحتاج إلى نظم وتفكير ، فلا شكّ أنّ المسائل المهمة والحسّاسة كمسألة تربية الأبناء تحتاج إلى بذل جهد أكبر وتخطيط أشمل. ومن البديهي ، أنّ افتقاد الوالدين للوعي اللازم والمعلومات الضرورية في هذه المسألة الحيوية ، سيخلق لهم مشاكل عديدة في طريق تربية أبنائهم وتقويمهم.
وتابع السيد محمد رضا الشيرازي كلمته قائلاً: يجب أن ننظر إلى مسألة التربية باعتبارها مسألة علمية وجادة تستحق كل الاهتمام ، لأنّ أي تغاضٍ أو تجاهل لها سيؤدّي إلى انحراف مئات بل آلاف الأفراد عبر التاريخ ، لجهة أنّ كل طفل في العصر الحاضر يمثّل أجيالاً مستقبلية قادمة ستخرج من صلبه.
ويرى سماحته أنّ إحدى الطرق المؤثرة في تربية الأطفال هي مسألة الاقتداء بالآخرين وتقليدهم ، وفي هذا المجال يقول: كل ما يصدر عنّا من قول أو فعل فإنّ ذاكرة الأطفال تختزنه وتسجّله ، فإذا كان الوالدان مجبولين على القيام في الأسحار والتهجّد وتلاوة القرآن وممارسة السنن والآداب الإسلامية، فمن الطبيعي أن ينشأ الأطفال على شاكلتهم ويأخذون عنهم آدابهم الإسلامية.
وفي إشارته إلى نصائح لقمان الحكيم لولده – الوارد ذكرها في القرآن الكريم – قال سماحة السيد محمد رضا الشيرازي: للموعظة الحسنة عظيم الأثر في تربية الأبناء وهي عنصر هام يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار، ويكفينا دليلاً ساطعاً على هذا الكلام أن نعلم أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قد صنع بمواعظه من رجل كان مشركاً وقاطع طريق كأبي ذر والذي كان ينتمي إلى قبيلة اشتهرت بالإغارة وقطع الطريق، صنع منه رجلاً ما أقلّت الغبراء أصدق ذي لهجة منه.
لذلك من الضروري أن نتدبّر في وصايا أهل البيت عليهم السلام من قبيل وصية الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى ولده الإمام الحسن عليه السلام أو وصايا الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله إلى أبي ذر – التي تمثّل قمّة العظات والحكم - ، وأن لا نبخل على أبنائنا بنصائحنا وتجاربنا.
أضاف آية الله السيد رضا الشيرازي: يجب تخصيص جزء من ميزانية الأسرة لصرفها في قضايا تربية الأطفال مثل شراء الكتب وما شابه ذلك، كذلك يجب ألا ننسى أنّ إناطة المسؤولية بالأطفال ترسّخ شعور الثقة بالنفس لديهم وتستثير فيهم مواهبهم الدفينة وتساعد في صقل شخصيتهم.
وختم سماحته القول: إحدى النساء رأت في منامها أنّ الإمام جعفر الصادق عليه السلام يهديها مصحفاً مذهّباً ، فكان تأويل رؤياها أنّ الله رزقها ولداً وبذلت كل ما في وسعها لتربيته التربية الصحيحة ، حتى أنّها لم تكن ترضعه ما لم تكن على وضوء ، وذلك الطفل أصبح فيما بعد الشيخ مرتضى الأنصاري قدس سره الشريف أكبر مراجع عصره على الإطلاق ، حيث كان في كل مرّة يزور قبر أمّه ينتحب طويلاً، حتى اعترض عليه بعض المقرّبين بأنّ ذلك لا يناسب شأنه كمرجع كبير فأجابه: أنا مدين لجهود هذه السيدة بكل ما وصلت إليه من مكانة وشأن.
وفي سنوات سابقة ، كان لأحد المراجع العظام ولد عاقّ وشرّير ، وعندما سألوه عن سرّ ذلك قال لهم: لقد كنت أتوقّع أن يكون أسوأ من ذلك ، وذلك لأنّي أوكلته إلى إحدى المرضعات لترضعه وعرفت فيما بعد أنّها كانت ناصبية مبغضة لأهل البيت عليهم السلام، ذلك المرجع هو الشيخ فضل الله نوري الذي آل مصيره إلى حبل المشنقة بقرار من الحكومة آنذاك وعند تنفيذ الحكم كان ولده يهتف و يهلّل فرحاً بذلك.


1. التهذيب / للطوسي/ ج5 / باب 3 ثواب الحجّ/ ص24 / ح17.
2. الكافي/ ج4/ ص450 /باب النوادر.../ حديث2.
3. مستدرك الوسائل/ج11/ ص264 / باب20 وجوب تقوى‏الله.../ حديث6.
4. سورة التحريم: الآية6.
5. تحف العقول / وصية أمير المؤمنين سلام الله عليه لكميل بن زياد / ص171..