سماحة السيد دام ظله مخاطباً عدداً من العوائل من مدينة أصفهان:
الله تبارك وتعالى يحبّ الذين يسعون في قضاء حوائج الناس

التقى سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي دام ظله الوارف عدداً من العوائل من مدينة إصفهان الأعضاء في صندوق الإمام الرضا سلام الله عليه للقرض الحسن، حيث استمعوا إلى كلمة سماحته وكذلك إلى كلمة سماحة حجة الإسلام و المسلمين السيد جعفر الشيرازي دام عزّه.
في هذه الكلمة أشار سماحة المرجع إلى أهمية قضاء حوائج الناس قائلاً: عزم أحد أصحاب الإمام جعفر الصادق سلام الله عليه على أداء فريضة الحجّ مع إحدى القوافل المتجهة إلى مكة المكرمة، وتعلمون مشاق مثل هذه الرحلات في ذلك الوقت والأخطار التي كانت تحيق بها، عدا أنّها كانت تستغرق شهوراً عدّة. في هذه الرحلة تطوّع ذلك الشخص ليأخذ على عاتقه مهمّة المحافظة على أمتعة المسافرين، وانصرف المسافرون إلى أداء الأعمال العبادية والمستحبّة وحُرم هو من ذلك فاغتمّ لذلك كثيراً، وبعد انتهاء الرحلة وأدائه لمناسك الحجّ عاد إلى بلده وذهب إلى الإمام الصادق سلام الله عليه وروى له ما جرى في تلك الرحلة، فقال له الإمام سلام الله عليه: «أنت أعظمهم أجراً»(1).
وأضاف سماحة المرجع قائلاً: ورد في الروايات أنّ «الصلاة في المسجد الحرام تعدل مئة ألف صلاة»(2)، كما روي عن المعصومين سلام الله عليهم الكثير في ثواب بعض الأعمال من قبيل الطواف حول الكعبة المشرفة، والصلاة وتلاوة القرآن الكريم في المسجد الحرام، أو مجرّد النظر إلى الكعبة، لكنّهم مع ذلك وضعوا مسألة خدمة عباد الله في المقام الأول واعتبروها أفضل الأعمال وأشرفها.
وتابع سماحته كلمته بتأكيده أهمية هذا الأمر بقوله: تبيّن تلك الرواية أهمية خدمة الناس وعظمة ثواب هذا العمل، فالله تبارك وتعالى يحبّ الذين يسعون في قضاء حوائج الناس وخدمتهم، فكيف إذا كان هؤلاء الناس هم الأقارب، أو المؤمنين أو الفقراء والمحرومين.
وأكّد دام ظله: حاولوا أن تحثّوا الآخرين على فعل الخير وخدمة الناس، واهتموا بنشر هذه السنّة الحسنة بين الأفراد وفي كلّ مكان.
بعد ذلك ألقى سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد جعفر الشيرازي دام عزّه كلمة في الضيوف، قال فيها: إنّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان اجتماعي الطبع، لذلك فإنّ حياته مرتبطة بحياة الآخرين.
وأضاف: المجتمع السليم هو المجتمع الذي تكون فيه الأواصر الاجتماعية أقوى وأوثق، فحيثما كانت هذه العلاقات ضعيفة ومتشنجة، دلّ ذلك على وجود علل وأمراض اجتماعية في المجتمع. ولهذا السبب نرى الأهمية التي يحظى بها هذا الموضوع في المجاميع الحديثية والمصادر الروائية حيث أفردت له أبواب واسعة تحت عنوان أبواب العِشْرة، وقد أكّد أئمّتنا المعصومين سلام الله عليهم ضرورة تقوية الأواصر الاجتماعية وترسيخها، ولهذا نراهم لم يألوا جهداً في تقديم النصح والوصايا التي تساعد على توثيق تلك الأواصر وتعزيزها.
وتابع السيد جعفر الشيرازي كلمته قائلاً: وأهم الروابط هي روابط القرابة، التي كانت مدار اهتمام أئمة الهدى سلام الله عليهم عبر التاريخ، حيث رويت عنهم آلاف الأحاديث في هذا الشأن، على سبيل المثال، جاء في إحدى تلك الروايات: كانت لأحدهم عمّة عجوز و كان يصلها بين الحين و الآخر، فقال له الإمام الصادق سلام الله عليه ما مضمونه: كتب عليك ربّك أن تموت قبل ذلك لولا أنّك تصل عمّتك، فأخّر عنك أجلك لسنوات(3).
كما أنّ زيارة الأقارب تطيل في عمر الإنسان، وفيها من المنافع المادية والمعنوية ما لا يحصى، فإنّ في قطع الرحم وسوء معاملة الأقارب بلايا جمّة في الدنيا مثل قصر العمر وسوء العاقبة في الآخرة.
في جانب آخر من حديثه، أكّد السيد جعفر الشيرازي على أهمية صلة الرحم والأقارب والأخذ بيدهم، وقال: جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «لا صدقة و ذو رحمٍ محتاج»(4)، وفي رواية عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنه قال: «أفضل الصدقة صدقة في الليل إلى ذي رحمٍ كاشح»(5). وقد يكون فضل هذه الصدقة لجهة أنّها بالإضافة إلى كونها تمثّل مساعدة الأرحام و الأقارب، ففيها مجاهدة للنفس و حملها على التديّن والطاعة.
وأضاف: كان للإمام الصادق سلام الله عليه أحد الأقارب وهو من أحفاد الإمام الحسن المجتبى سلام الله عليه، في أحد المجالس تفوّه ذلك القريب وبحضور الملأ بكلمات نابية على الإمام الصادق سلام الله عليه، ما جعل أصحاب الإمام يستشيطون غضباً لذلك، ولكنّ الإمام سلام الله عليه ذهب إلى منزله ليلاً فسلّم عليه وقال له: جئتك معتذراً.
بعدها أشار السيد جعفر الشيرازي إلى الآية الكريمة «الّذينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ميثاقِهِ ويَقْطَعُونَ مَا أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أولَئِكَ هُمُ الخاسِرونَ»(6)، حيث قال: طبقاً لما جاء في الروايات فإنّ الآية تعنى بصلة الرحم.
ثم أضاف مؤكّداً: إنّ انتشار الثقافة الغربية وتطوّرها التكنولوجي الإعلامي، أفضى إلى انتشار مفاسدها في العالم أجمع، وأن تكون نظرة المرء إلى الأشياء نظرة مادية بحتة، وفي الوقت نفسه ضياع القيم الأصيلة وتراجعها في معظم المجتمعات، ومن تلك القيم مسألة زيارة الأقارب وصلتهم ومساعدتهم.
هذا واختتم اللقاء بأن أعرب فضيلته عن أمنياته في أن تنتشر السنن الحسنة من قبيل صلة الرحم وتأسيس صناديق القرض الحسن ومساعدة المحرومين من الأقارب مادّياً ومعنوياً في كل مكان، وأن يُرَوَّج لهذه القيم الراقية والسنن الحسنة في مختلف المدن والبلدان الإسلامية.


1/ وسائل الشيعة / ج13 / باب 11 استحباب حفظ متاع ... / ص 313 / ح 17824.
2/ المصدر نفسه / ج5 / باب 52 تأكد استحباب الإكثار من الصلاة في المسجد الحرام.../ ص272 / ح 6523.
3/ مستدرك الوسائل / ج 15 / باب 11 استحباب صلة الأرحام و... / ص 244 / ح31.
4/ من لا يحضره الفقيه / ج2 / باب فضل الصدقة / ص68 / ح 1740.
5/ مستدرك الوسائل / ج 7 / باب 8 تأكد استحباب الصدقة على ذي الرحم والقرابة.. / ص195 / ح 9.
6/ سورة البقرة : الآية 27.