زاره جمع من أهالي طويريج
سماحة السيد دام ظله: بالذكر والتذكر الدائم نحصّل
مقام الرفعة عند الله عزّ وجل
 |
زار جمع من الزوّار والعوائل العراقية من أهالي
مدينة الهندية (طويريج) التابعة لمحافظة كربلاء، سماحة
آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله
في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة، واستمعوا إلى
توجيهاته القيمة، وكذلك إلى إرشادات نجله الموقّر
فضيلة السيد حسين الشيرازي حفظه الله.
وبعد أن رحّب سماحة السيد المرجع بالزائرين بدأ حديثه
بتلاوة قول الله تعالى: «إنّما يتذكر أولوا الألباب»(1) وقال:
كلّ منّا ـ رجلاً أو امرأة؛ شيخاً أو شاباً؛ فقيراً أو
غنياً؛ عالماً أو جاهلاً ـ يملك في وجوده جوهرة ثمينة
وهي العقل الذي منّ الله تعالى به علينا. وكما أنّ
الأنبياء والأئمة سلام الله عليهم حجج ظاهرية من الله
تعالى علينا، ويدعوننا إليه سبحانه، فكذلك العقل حجة
باطنية؛ ترافقنا دائماً وفي كلّ مكان، وإنّ الاستماع
إلى أوامره يستتبع سعادة الدارين.
وأضاف سماحته: يجب على كل فرد منّا أن يسعى
لتقوية حالة الذكر والتذكر في وجوده ليرتفع بذلك
مقامنا عند الله تعالى.
فكلّنا نصلّي ونصوم ونزور، ولكنّ أجر كل واحد منّا
يختلف عن الآخر، وهذا يتعلّق بمعدّل توجّه الشخص
وتذكّره. فكلّما كان تذكرنا أكثر كان مقامنا وأعمالنا
أرفع قيمة.
وفي الختام تمنّى سماحته للجميع أن يهبهم الله تذكّراً
أكثر واستفادة من نور أهل البيت سلام الله عليهم.
تحدّث بعد ذلك فضيلة السيد حسين الشيرازي حفظه الله
تعالى فقال:
في آخر سورة المائدة آية تنظر إلى علاقة الإنسان
بالله تعالى، حيث يقول عزّ من قائل: «قال الله هذا
يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنّات تجري من تحتها
الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه
ذلك الفوز العظيم»(2).
لا شكّ أنّ رضا الله تعالى أمر مهمّ للغاية؛ قال جلّ
شأنه: «ورضوان من الله أكبر»(3) أي إنّ رضا الله
تعالى عن الإنسان أكبر من كلّ النعيم والخلود في
الجنة، ولكنّ في الآية التي في آخر سورة المائدة عبارة
أخرى طرحت إلى جانب رضا الله عزّ وجلّ، وهي رضا العبد.
فمع أن الله تعالى خلقنا ومنّ علينا بنعم لا تحصى،
ولكنّ كثيراً من الناس ليسوا راضين عن الله تعالى، وإن
هذه المسألة أي الرضا عن الله سبحانه، تخصّ الصادقين
فقط، كما صرّحت بذلك الآية الكريمة. ومن هنا يظهر أن
لهذه الصفة مكانة رفيعة، بحيث إن الله الذي خلق
السماوات والأرض سمّاها فوزاً عظيماً.
طبعاً ينبغي العلم أن الصدق هنا لا يقصد منه صدق
اللسان فقط بل هو أعم منه ومن صدق القلب؛ فإنّ كثيراً
من الناس قد يكتمون سخطهم واستياءهم وعدم رضاهم حال
مواجهتهم مشاكل الحياة ومصاعبها، ولا يظهرونه على
ألسنتهم، ولكنهم في قلوبهم معترضون على ما قدّر الله
وقسم لهم من العيش، وغير راضين عنه.
وأضاف فضيلته: إن الدنيا مشحونة بأنواع المشاكل
والبلايا، وقد وصفتها الروايات الشريفة بأنها «دار
بالبلاء محفوفة»(4). لا شك أنه لا ينبغي اعتبار جميع
مشاكل الدنيا من الله تعالى، لأن كثيراً من المشكلات
في الحقيقة تعود إلى جهلنا أو عدم انتهاجنا الأسلوب
الصحيح، فإنّ على المؤمن أن يؤدي عمله الدنيوي على
أحسن وجه وأن يضع كل شيء في موضعه الصحيح وأن يلجأ إلى
الطرق والوسائل الطبيعية لحلّ مشكلاته. ولكنه في الوقت
نفسه يكون راضياً وصابراً إزاء المشاكل التي قد تواجهه
على كل حال، ولأي سبب كان، وهي خارجة عن قدرته.
في آخر فقرة من دعاء أبي حمزة الثمالي ـ الذي يقرأ في
أسحار شهر رمضان المبارك ـ يقول الإمام زين العابدين
سلام الله عليه: «ورضّني من العيش بما قسمت لي».
ثم ضرب فضيلته لذلك مثلاً بشخص كان يعمل
حمّالاً في مدينة يزد يسمّى كريم سياه، فقال:
كان السيد كاظم اليزدي المرجع الأعلى في زمانه، ولقد
كتب العلماء من بعده الحواشي على كتابه المعروف
«العروة الوثقى». وكان قد صمم في أواخر عمره على أن
يعود إلى مسقط رأسه «يزد» لكي يصل أرحامه. وحيث إن
الأسفار في ذلك الزمان كانت طويلة وتقترن عادة
بالأخطار والمشكلات، فقد هيّأ السيد اليزدي كفناً له
اشتراه من خالص أمواله ثم أوصى بكتابة كلّ القرآن
الكريم عليه، ثم ذهب إلى كربلاء لوداع مولانا سيد
الشهداء الإمام الحسين سلام الله عليه وهناك أيضاً
وإلى جوار المرقد الطاهر كتب زيارة عاشوراء على الكفن
ثم واصل سفره إلى يزد.
وفي إحدى الليالي رأى السيد اليزدي في عالم الرؤيا أن
هاتفاً يقول له: يقول لك سيد الشهداء أن أحد أوليائنا
رحل من الدنيا وليس عنده كفن، فأعطه الكفن الذي أعددته
لنفسك.
استيقظ السيد اليزدي من النوم وتعجّب من الرؤيا التي
رآها ولكنه عاد إلى النوم مجدداً، فسمع الهاتف نفسه
يأمره ثانية بالأمر نفسه. فهبّ من النوم وسأل عن
المغتسل ثم قصده مع جماعة، فرأى جماعة منشغلين بتغسيل
ميّت، وفي الأثناء تقدّم إليه رجل وقال له: أعطني
الكفن الذي أمرك سيد الشهداء سلام الله عليه أن تعطيه.
فزاد عجب السيد رحمه الله وقال: من أنت؟ قال: من أمرك
بأن تأتي بالكفن أمرني أن آتي إلى هنا.
ثم عقّب سماحة السيد حسين الشيرازي على القصة قائلاً:
وكان الشخص المتوفى رجلاً حمّالاً يعرف بكريم سياه (أي
الأسود). والعبرة التي في هذه القصة أن هذا الرجل لم
يكن في سعة من العيش وإلا لما اختار هذه المهنة، ولكن
الملاحظ مع ذلك أنه كان ـ وعلى الرغم من الحياة
المتواضعة والمليئة بالمصاعب ـ يحظى بمقام رفيع ووجاهة
عند الله تعالى بحيث أن سيد الشهداء سلام الله عليه
هيّأ له كفنه بنفسه.
وواصل فضيلته الحديث بالقول:
إن أعمالنا وتصرّفاتنا مهمة بدورها، ولكن الأهم
منها رضانا القلبي عن مقدّرات الله تعالى. ومن هنا
يمكن أن يكون حمّال بسيط على هذه الدرجة الرفيعة بسبب
توفره على قلب صادق ومنزّه وراض بتقدير الله سبحانه.
ولقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «إن
الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ـ أو أقوالكم
ـ ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»(5).
وروي أيضاً: «أربع من كنّ فيه وكان من قرنه إلى
قدمه ذنوباً بدّلها الله حسنات: الصدق والحياء وحسن
الخلق والشكر»(6).
وفي جانب آخر من حديثه أشار فضيلته إلى المشاكل التي
عانى منها الشعب العراقي خلال العقود الماضية وقال:
إن الرضا عن الله تعالى قضية تتعلّق بنا جميعاً لاسيما
الإخوة العراقيين والشعب العراقي المظلوم الذي تحمّل
طيلة هذه السنين أنواع المصاعب والمرارات والمظالم من
النظام السابق.
وأردف: إن الذين يعيشون في بلد الأئمة سلام الله عليهم
وإلى جوار سيد الشهداء سلام الله عليه يجب أن يكونوا
قدوة في الصبر والرضا لكل المسلمين، وأن يردّدوا في كل
حال مقولة أبي الأحرار وسيد الشهداء الإمام الحسين
سلام الله عليه: «إلهي رضا بقضاك».