زاره مدراء وأساتذة من إصفهان
سماحة السيد دام ظله: سعادة المؤمن تكمن في الاستقامة وتحصيل رضا الله عزّوجلّ

تشرفت مجموعة من السيدات والسادة من مدراء ومدرسي إعداديات المنطقة الثانية في مدينة إصفهان، بزيارة سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة، والاستماع لتوجيهاته القيّمة.
وبعد أن رحّب سماحته بهم خاطبهم بالقول:
كل الذين وفدوا إلى هذه الحياة إنما وفدوا من أجل الامتحان، لا فرق في ذلك بين الشيخ والشاب والرجل والمرأة والغني والفقير والعالم والجاهل... قال الله تعالى في كتابه الكريم: «لننظر كيف تعملون»(1).
وقال سماحته: لقد تحدّث الله تعالى عن امرأة فرعون بعبارات قد يقلّ نظيرها في القرآن الكريم كلّه؛ قال سبحانه:
«وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت ربّ ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجّني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين»(2).
فالأمر العادي والمنطقي أن يكون قدوة الرجال ومثَلَهم رجلاً لا امرأة، ولكن الله تعالى جعل، في هذه الآية امرأة فرعون ـ التي هي من سيدات النساء عند الله تعالى بعد السيدة فاطمة الزهراء والسيدة زينب الكبرى.... ـ قدوة ومثلاً للمؤمنين والمؤمنات؛ فإن المفهوم من هذه الآية أن الله جلّ شأنه يأمر المؤمنين والمؤمنات أن يقتدوا بهذه السيدة الفاضلة.
ثم تساءل سماحته: فلماذا وكيف وصلت امرأة فرعون إلى هذا المقام الرفيع؟
وأجاب: إن الإجابة عن هذا السؤال تنطوي في عبارة من دعاء أبي حمزة الثمالي الذي علّمه إيّاه الإمام السجاد سلام الله عليه والذي نقرأه في أسحار شهر رمضان المبارك... هذا الدعاء العميق المحتوى، العالي المضامين، الذي له خصوصية خاصة بين مجموع ما وردنا من أدعية عن المعصومين سلام الله عليهم؛ بحيث يمكن القول بجرأة لو أن أحداً قرأه مرّة واحدة من أوّله إلى آخره بالتفات وتأمّل وأدرك معانيه حقاً، يكون مستجاب الدعوة عند الانتهاء منه؛ أي أن قلبه يكون مستعداً لدرجة أن الله تعالى لا يردّ حاجته.
فلقد جاء في الجزء الأخير من هذا الدعاء: «ورضّني من العيش بما قسمت لي»، وهذا بالضبط هو ما تجلّى في امرأة فرعون وصار سبباً لأن تكون قدوة ومثلاً للمؤمنين والمؤمنات.
وقال سماحته في جانب آخر من حديثه: لا توجد علاقة مباشرة بين الراحة والسعادة، ولا بين العناء والشقاء. فربّ شخص يكون محصوراً بين أنواع المصاعب والمتاعب ولكنه مع ذلك يشعر بالرضا ولا يكون متبرّماً. كما يمكن أن يكون شخص متمتعاً بأنواع المتع الدنيوية ولكنه مع ذلك لا يعيش حياة سعيدة. ينبغي الالتفات إلى أن سبب السعادة والرضا يتلخّص في ترجيح الرضا الإلهي على كل شيء وإن كان في ظلّ أنواع المحن والمصائب والمشاكل والمصاعب والحرمان من كل ما عداه.
ومن هنا نفهم قول العقلية زينب سلام الله عليها عندما توجّه إليها الطاغي ابن زياد بالقول: كيف رأيت صنع الله بكِ؟ فقالت: ما رأيت إلا خيراً!
ولعلّه لا يمكن تصوّر وضع أصعب من الوضع التي كانت فيه امرأة فرعون، ولكنها كانت راضية برضا الله تعالى في ظل كلّ الظروف الصعبة، ولم يخالجها أدنى اعتراض على ما قدّر الله سبحانه لها.
وأكّد سماحته: لا ينبغي أن نعبّس أو تضيق صدورنا أو نحزن بسبب تموّجات الحياة، بل يجب أن نعمل بوظيفتنا في كل الأحوال ـ سواء الصعبة أو السهلة ـ وأن نعتبر ذلك كه امتحاناً إلهياً لنا.
وقال سماحته:
إن في القرآن الكريم آية مليئة بالأمل للإنسان، وتسدّ الطريق بوجه كل يأس أو خيبة، وهي قوله تعالى: «إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم»(3).
لا شك أن الرضا بالتقدير الإلهي لا يعني أبداً أن لا نخطو من أجل حلّ المشاكل ورفع النواقص وأن نحجم عن الاستفادة من الوسائل والأسباب الظاهرية والدعاء والتوسل و... بل المقصود بالرضا بالتقدير الإلهي هو التسليم إزاء الأمور الخارجة عن إرادتنا. فاذا كنا كذلك فإن تقلّبات الحياة ومصاعبها لن تثنينا أو تعصرنا ولا نصاب بالإحباط والكآبة؛ ومن هنا أيضاً نفهم وصف المؤرخين للإمام الحسين سلام الله عليه في يوم عاشوراء أنه كان يزداد وجهه إشراقاً كلّما سقط شهيد من أسرته وأصحابه.
وأضاف سماحته: ليست سعادة الدنيا في أمور كالثروة أو البيت الواسع و... بل بامتلاك قلب واسع ومطمئن؛ راض عن الحياة، كيف كانت، فلكل واحد منّا تقديرات خاصة في الحياة، وكل فرد يواجه مشكلات ونواقص، فواحد فقير وآخر مريض وثالث عقيم وهكذا.. إنما المهم أن نسعى لأن نكون راضين بقضاء الله عزّوجلّ في كل حال.


(1) سورة يونس: الآية 14.
(2) سورة التحريم: الآية 11.
(3) سورة هود: الآية 119.