فضيلة السيد مهدي الشيرازي في مجلس يوم الجمعة:
الفائز من ينفق قواه وطاقته وشبابه في طريق الآخرة
 |
ضمن سلسلة المحاضرات الأخلاقية والتربوية التي تقام
يوم الجمعة من كل أسبوع بعد صلاتي المغرب والعشاء في
بيت سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني
الشيرازي دام ظله الوارف، بمدينة قم المقدسة، حاضر
نهاية الأسبوع المنصرم فضيلة ثقة الإسلام السيد مهدي
الشيرازي دام عزّه نجل المرجع الراحل آية الله العظمى
السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره الشريف، فبدأ
حديثه بتلاوة الآية الكريمة: «ما عندكم ينفد وما
عند الله باق»(1).
وقال: عند التأمّل في موجودات هذا العالم
المترامي الأطراف نشاهد أن للموجودات كلّها جنبتين
وجودية وعدمية؛ بعبارة أخرى: إن لكلّ من الجمادات
والنباتات والحيوانات مرتبة من مراتب الوجود، ولها في
الوقت نفسه حدّاً يتميّز به عن الموجودات الأخرى.
فالمرتبة الوجودية لكلّ موجود تمثّل جنبته الوجودية،
أما الحدّ الذي به يتمايز عن الموجودات الأخرى فهو
منشأ جوانبه العدمية.
على سبيل المثال: الأربعة أكبر من الواحد
والاثنين والثلاثة، ولها على كلّ حال مرتبة من مراتب
الوجود، تمثّل الجنبة الوجودية للعد أربعة، ولكنّ
الأربعة ليست خمسة بحال، بل أقلّ منها، فالأربعة في
مرتبة وجودية أوطأ من الخمسة، وهذا ما يُظهر حدّها
العدميّ.
هكذا عندما نقول عن النبات إنه جسم نام، فهذا يعني
وجود خصائص توجد في الجمادات، وهذا يظهر حدّها
الوجودي. ولكن النبات فاقد لكثير من الخصائص الموجودة
في الحيوانات كالحركة الإرادية والفهم والشعور، ومن ثم
فهذه الخصائص تتعلق بالجنبة العدمية للنبات.
إذاً لكلّ منا كمالاً يسعى نحوه وهدفاً ينشده ويبذل
كلّ مساعيه من أجل الوصول إليه، وقد يكون هذا الهدف هو
المال أو الزواج أو العلم أو الجاه أو أشياء أخرى،
ولكن بما أننا ننظر إلى البعد الوجودي لهذه الأهداف،
لذلك ترانا ما إن يصل أحدنا إلى هدفه ومطلوبه، حتى
يواجه حقيقة مرّة ويلتفت إلى البعد العدمي لذلك الهدف،
ومن ثم حقارة وابتذال ما يسعى للوصول إليه. فمثلاً من
كان يسعى لتحقيق دخل مادّي بمستوى معيّن، سيرتفع سقف
توقّعاته، وتزيد تطلّعاته مع ملاحظة ذوي المستويات
الأعلى من الدخل.
أي إن أهدافاً جديدة ستظهر في وجودنا مع وصولنا إلى
الهدف الذي كنّا نسعى للوصول إليه؛ وهذه الدوّامة
مستمرّة.
فربّ كثير من الناس تتلخّص أعمارهم في دائرة واحدة فقط
وهي العمل من أجل الأكل، والأكل من أجل العمل، فيأتيهم
الأجل وهم ما زالوا يدورون في هذه الحلقة المفرغة
والدائرة الباطلة!
بل الأسوأ من ذلك أن كثيراً من الناس يموتون على أثر
الحوادث الطبيعية ـ أو يأتيهم الأجل بأي سبب من
الأسباب ـ قبل أن يحقّقوا حتى أهدافهم المادية.
وتظلّ اللذات الدنيوية حتى في أعلى مراحلها وأكمل
مراتبها ناقصة من الناحية الوجودية ولها جهات عدمية
كثيرة، ولا أقلّ من أنها فانية ومنقضية، ومن ثم فلا
يليق بالإنسان العاقل أن يتعلّق بها.
فعن الإمام الصادق سلام الله عليه قال: «مثل الدنيا
كمثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتى
يقتله»(2).
وعن الإمام زين العابدين سلام الله عليه أنه قال:قال
المسيح للحواريين: «إنما الدنيا قنطرة فاعبروها ولا
تعمروها»(3).
وكان الإمام أمير المؤمنين يخاطب الموتى في المقابر
بقوله: «يا أهل التربة ويا أهل الغربة:أما الدور
فقد سُكنت وأمّا الأزواج فقد نُكحت وأما الأموال فقد
قُسّمت»(4).
إن الدنيا في حقيقتها كالمنزل الذي نقضي فيه عدة ليالٍ
ثم نغادره، فإنّ أيّاً منا لا يعلّق قلبه ببهارج أيّ
منزل أو فندق نزل فيه في سفره وإن بلغ ما بلغ، لأنه لا
يعود إليه، كما لا يشعر بالأسى على ما فيه من نواقص،
لانه غير عائد إليه أيضاً.
فلو نظرنا إلى الدنيا ـ حقّاً ـ كمنزلٍ أو ممرّ ومعبر
وليس مقرّاً ومسكناً دائماً فسوف نقطع علائقنا به ولن
تلتصق قلوبنا به وبزبرجه.
لو أدرك الإنسان الأبعاد العدمية للدنيا بصورة حقيقية
وآمن أنها فانية وزائلة، فإنه لن يتفاعل معها ولن
يتأثّر بها أبداً. ومثل هذا الإنسان إذا مارس نشاطاً
في هذه الحياة فإنما من أجل تلك الحياة الخالدة ، ولا
ينفق عمره الغالي في لذات هذه الدنيا الفارغة.
وختم فضيلته حديثه بالقول:
إن صحائف أعمالنا سوف تغلق بالموت، وإن الشباب وقوّته
سيؤول إلى الضعف والمشيب، ولن يكتب الفوز في النهاية
إلا لأولئك الذين أنفقوا كلّ قواهم وطاقاتهم وشبابهم
في طريق الآخرة. فقد روي أنه: «إذا مات المؤمن
انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به
أو ولد صالح يدعو له»(5).
وصدق الله تعالى حيث يقول: «ما عندكم ينفد وما عند
الله باق».