سماحة السيد دام ظله في جمع من أهالي إصفهان:
مفتاح سعادة كل امرئ بيده
 |
زار سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني
الشيرازي دام ظله في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة
جمعٌ من أهالي إصفهان الذين قدموا لزيارته؛ حيث
استمعوا إلى توجيهاته القيّمة وكذلك إلى حديث فضيلة
السيد جعفر الشيرازي دام عزّه.
دار حديث سماحة السيد المرجع حول «التصميم والإرادة»
وقال:وردت عبارة «على ما بنيت أمرك» في الروايات
كثيراً، ومعناها: على ما عزمت وكيف قرّرت أن تعيش في
الدنيا؟
وعقّب سماحته: الإجابة الصحيحة على هذا السؤال تمثّل
أساس السعادة للإنسان وتضمن له الموفقية والفلاح.
ثم قال: لقد أودع الله تعالى في الإنسان قوّة يميز بها
الخير من الشر، ولا يوجد أحد لا يميّز بين الخير
والشر، ولا يعرف أن أموراً كالكذب والغيبة والظلم
والاعتداء على حقوق الآخرين، أمور مستقبحة ومذمومة،
وأن أموراً ـ في المقابل ـ كحبّ الخير للآخرين
والإحسان والعدالة والصدق أمور حسنة ومحبوبة.
وأضاف: وهذه القوة كالنور تضيء الطريق للإنسان في
الجانب المعنوي كما يضيء المصباح طريقه المادي، ولكن
الإنسان نفسه قد يلقي حجاباً أسود على هذ النور بسب
الغفلة وارتكاب الذنوب، فلا يعود يرى، ولهذا تراه
يرتكب عملاً مذموماً مع أنه يعرف أنه مذموم ولكنه غافل
عنه في تلك اللحظة وليس له التفات كامل بالنسبة إليه.
وخلص سماحته إلى أن كلّ إنسان يمكنه أن يكون إنساناً
مؤمناً وصالحاً، في أيّ موقع كان، فيجب عليه أن يسعى
لأن يكون كذلك.
ثم أكد سماحته أهمية العزم والتصميم في حياة الإنسان
فقال:لقد خلّد التاريخ أشخاصاً كثيرين كانوا في غاية
الضلالة والانحراف، ولكنهم صمموا فجأة أن يغيروا
مسارهم، واستطاعوا على أثر هذا التصميم أن يصبحوا
قدوات يحتذى بها.
ومن أولئك الاشخاص أبو ذر الغفاري رحمه الله الذي
ذكروا في أحواله أنه كان في الجاهلية قاطع طريق. ولكن
هذا الشخص نفسه بلغ ـ على أثر التصميم الجادّ ـ إلى
حيث يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: «ما
أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء، على ذي لهجة أصدق
من أبي ذر»(1).
وأضاف سماحته: لقد بلغ أبوذر هذا المقام الرفيع
باتخاذه قراراً حازماً، إذاً فنحن أيضاً ـ الذين لم
نكن مشركين ولا سراقاً ـ نستطيع أن نوفّق بقرار حازم
نتخذه، فنبلغ المرات العالية، ولا يلزم أن نحيط
الآخرين علماً بقرارنا، بل يكفي أن نتخذ هذا القرار
ونعزم عليه بين أنفسنا وبين الله تعالى، ونتوسّل بأهل
البيت سلام الله عليه ليعينونا في هذا الطريق.وعلى أيّ
حال فإنّ مفتاح السعادة بيدنا نحن، ويتوقف هذا على
قرارنا وتصميمنا.
وقال سماحته في الختام: أرجو من الله تعالى أن يمنّ
على أولئك الذين لم يوفّقوا لاتخاذ هذا التصميم بعد،
فيوفقهم لهذا الأمر المهم.
ألقى بعد ذلك فضيلة السيد جعفر الشيرازي دام عزّه كلمة
في الجمع بدأها بقراءة مقطع من دعاء الإمام السجاد في
الصحية السجادية يقول فيه: «اللهم إني أعوذ بك من
مظلوم ظلم بحضرتي فلم أجبه»(2). ثم قال:
قد يتصور بعضنا أنه يكفي أن لا نظلم أحداً، مع أن عدم
الظلم وحده ليس كافياً وإن كان مطلوباً ولازماً؛ لأن
الله تعالى يطلب منّا أكثر من ذلك. إنه يريد منّا
بالاضافة إلى عدم ممارسة الظلم ، أن نحول دون أن يظلم
أحد في أي مكان، وأن ندافع عن المظلوم ما وسعنا. فإذا
كنا نستطيع أن نرفع مقداراً ولو ضئيلاً من الظلم عن
مظلوم، أو كان هناك احتمال صغير في أنّ إقدامنا على
عمل ما سيكون مؤثراً في رفع الظلم عنه، فإنه لا يجوز
لنا التواني عن ذلك العمل وإلا كنّا شركاء في ذلك
الظلم وسنُسأل عنه يوم القيامة.
ثم عرّج فضيلته على مظلومية أئمة أهل البيت سلام الله
عليه في البقيع فقال:
كان الوهابيون قد اقترفوا جريمة هدم مراقد أهل البيت
سلام الله عليهم قبل مئتي سنة ولكن الدولة العثمانية
أرسلت جيشاً وقامت بتعمير المراقد.
وفي سنة 1344 هـ هجم الوهابيون مرة أخرى على المدينة
وهدموا مراقد أئمة أهل البيت سلام الله عليهم في
البقيع. واليوم تمرّ 82 سنة والفاجعة مستمرة، دون أن
نعمل ـ مع الأسف ـ شيئاً إزاء هذا الظلم الفادح
والكبير. لقد أراد الله تعالى منّا أن لا نقف مكتوفي
الأيدي تجاه ظلم إنسان عادي، فما بالك إذا كان
المظلومون هم آل بيت النبي صلى الله عليه وآله؟!
وأضاف فضيلته أيضاً:
من المؤسف أنّ كثيراً من الناس يظنون أنّ دفع مثل هذه
المظالم ليس من واجبنا وأنه يرتبط بالعلماء والحكومات
والسياسيين أو الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال، ويتخلّون
عن مسؤوليتهم في هذا المجال بمثل هذه الذرائع الواهية.
وأكد فضيلته الدور المؤثر لكلّ المؤمنين في التذكير
بهذه الحادثة والسعي لايقاف هذا الظلم، وقال:
لا يقولنّ أحد: ما قيمة سعيي القليل في ظلّ الظرف
الراهن؟
فإنه كما تتجمع قطرات المطر الصغيرة وتؤلف سيلاً
عظيماً، يمكن أن تتجمع هذه الجهود ـ مهما صغرت ـ ومنها
التذكير المستمر وتكون مؤثرة بإذن الله سبحانه.
وأضاف: لا يصح الاستهانة بالجهود مهما قلّت؛ فإن
كثيراً من الأعمال الكبيرة تكونت من انضمام خطوات
صغيرة في البداية. وضرب لذلك مثلاً باليهود وقال:
لا يتجاوز عدد نفوس اليهود ـ الذين لا شك في كونهم على
باطل ـ عن 14 مليون نسمة، ولا تربطهم علاقات جيدة مع
المسيحيين والمسلمين، وقد كتب الله عليهم الذلة
والمسكنة، قال تعالى: «ضربت عليهم الذلة والمسكنة
وباءوا بغضب من الله»(3).
ولكن مع هذا كلّه، نرى أن هذه المجموعة الباطلة
والقليلة العدد، إذا أرادت شيئاً عملت من أجله حتى
يتحقق. فعلى سبيل المثال كانت الأموال التي أرسلها
التجار اليهود من طهران وحدها إلى يهود اسرائيل إبان
حرب عام 1967 أكثر من مجموع المساعدات التي قدمها
التجار المسلمون للفلسطينيين من كل أنحاء العالم.
وعندما ذهب زعيم الاتحاد السوفيتي السابق في زيارة
رسمية إلى النمسا تلقّى عشرين ألف رسالة من اليهود
النمساويين يطلبون منه فيها أن يسمح ليهود روسيا
بالسفر إلى إسرائيل؛ وكان عدد نفوس اليهود في النمسا
آنذاك عشرين ألف نسمة، وهذا يعني أن أيّ يهودي ـ رجلاً
كان أو امرأة أو شيخاً أو طفلاً ـ لم يتخلّ عن
مسؤوليته في كتابة الرسائل.
فإذا كان من يسعى من أجل الباطل، يحصل على نتائج كهذه،
فمما لا شك فيه أن من يسعى في طريق الحق سينال التوفيق
في مسعاه وسيعينه الله تعالى أيضاً.
قال تعالى: «إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم»(4).
لقد وعد الله أن يبارك في عمل الخير وأن يضاعفه
أضعافاً كثيرة فقال عزّ من قائل: «مثل الذين ينفقون
أموالهم في سبيل الله كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كل
سنبلة مئة حبّة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم»(5).
إذاً ينبغي لنا أن لا نضيّع الفرص، وأن يسعى كلّ منا
بحسبه في هذا الطريق وأن لا نيأس أبداً. فلو أرسل كلّ
فرد منا رسالة الكترونية (E-mail) إلى الحكومة
السعودية وأعرب فيها عن استيائه عن هذه الحادثة
وشجيها، فلا شك سنترك تأثيراً كثيراً في الرأي العام
العالمي، وربما أعادت الحكومة السعودية النظر في
أخطائها التاريخية.
وفي الختام أكد فضيلته أهمية المشاركة العامة في منع
الظلم وقال: إن إعادة إعمار البقيع وإنهاء هذا الظمل
بحاجة إلى عزم المسلمين جميعاً ومشاركة كل فرد منهم في
هذا المجال؛ إلا أن هذا لا يعني الانصراف عن الجهود
الفردية أو أن نصاب باليأس لا سمح الله. لأن الجهد
المتواضع لكلّ فرد منّا له قيمته الخاصة.
ولا ننسى أنّ أيّ عمل خير مهما كان صغيراً لا يخفى على
الله تعالى ولا يضيع عنده، فهو عزوجل القائل «إني لا
أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى...»(6).