فضيلة السيد حسين الشيرازي في محاضرة بأعضاء الحسينية الكربلائية في إصفهان:
رقي الإنسان وكماله بمخالفة الهوى والشهوات

زار جمع من الأخوات والإخوة العاملين في الحسينية الكربلائية بمدينة إصفهان، بيت سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدسة والتقوا بفضيلة السيد حسين الشيرازي دام عزّه نجل سماحة السيد المرجع دام ظله واستمعوا إلى توجيهاته القيّمة.
وبعد أن رحّب بهم فضيلته قال:تتركب حقيقة الإنسان من ثلاثة أشياء:
1. الحواسّ الخمسة.
2. الرغبات (أو ما عُبّر عنها في الروايات بالأهواء والشهوات).
3. الفكر والعقل.
ومن الواضح أن الموردين الأوّلين يختلفان في حقيقتهما؛ فإن الرؤية أو السماع مثلاً من مقولة، والرغبة والشهوة النفسانية من مقولة أخرى.
ويشترك الإنسان مع الحيوان في الموردين الأوّلين، وربّ حيوانات تكون أقوى من الإنسان فيهما. فعين الصقر مثلاً أقوى من عين الإنسان بدرجات، وحاسة الشمّ لدى الكلاب أقوى منها عند الإنسان عشرات الأضعاف. وهكذا الحال في مجال اللذات والشهوات مثل لذة الأكل والشرب والتزاوج فهي عند كثير من الحيوانات أقوى بكثير مما عند الإنسان، ولا يمكن إجراء مقارنة بينهما من هذه الجهة.
إنّ الفرق بين الإنسان والحيوان هو في العنصر الثالث أي العقل والتدبير. ولهذا نرى أن الحيوانات قبل آلاف السنين لا تختلف عن الحيوانات اليوم من حيث أسلوب حياتها، في حين نرى الإنسان قد يُحدث تغييرات أساسية في حياته خلال عدّة أيام، وهو في حالة تغيّر مستمرّ في نمطية حياته. إذاً فوجه التمايز بين الإنسان والحيوان هو العقل والفكر.
وأضاف فضيلته: هذه القوى الثلاث قد يحدث بينها تضادّ في وجود الإنسان أحياناً؛ أي إذا كان أيّ من هذه القوى أكثر فاعلية وحيوية فهذا معناه تنزّل مستوى القوتين الأخريين.
على سبيل المثال: عندما يكون الإنسان في حالة تفكير بمسألة علمية تشغل لبّه بشدة، ربّ كثير من الحوادث تحدث حوله ولا يلتفت إليها، وربما لا يسمع كلام الأشخاص الجالسين بالقرب منه. فقد تكون عيناه مفتوحتين ولكنه لا يرى أشياء أمامه، وقد تكون أذنه سالمة ولكنه لا يسمع ما حوله.
ولهذا لا يمكن المطالعة أو إنجاز عمل فكري في الأماكن المزدحمة والتي فيها ضجيج، ولهذا أيضاً ترانا إذا أردنا أن نفكّر في أمر ما نغلق أعيننا لا إرادياً، فهذا رد فعلنا الطبيعي في هذه الحالة.
إنّ العين الأذن في حالة مستمرة من تقديم تقارير المرئيّات والمسموعات إلى المخ، فإذا ما انشغل الذهن بالمحسوسات في مثل هذه الحالات، فإنّ قوة التعقل لا تكون فعالة جداً ولا يمكنها استعمال طاقتها العليا في المقولات.
قال تعالى في وصف امرأة العزيز والنسوة اللاتي لمنها: «فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهنّ متكأً وآتت كلّ واحدة منهن سكيناً وقالت اخرج عليهن، فلما رأينه أكبرنه وقطّعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم»(1).
انظر إلى الدقة في التعبير؛ لم تقل الآية: جرحن أيديهن، بل قالت «وقطّعن أيديهن»، وهذا يعني أنّهن ذبن في جمال يوسف بحيث لم يعدن يشعرن بما يفعلن في أنفسهن، وهذا يعني أن الشعور بالألم كان قد تعطّل عندهن بالكامل.
وقال حفظه الله: ولذلك يكره للإنسان أن يتحدّث عند تناول الطعام، بل يكره عند الشهوات الأخرى أيضاً. ولعل الحكمة في هذا الأدب الإسلامي أنّ الذي يتكلّم عند الأكل أو أية ممارسة شهوية أخرى، إنما يستعمل فكره وحواساً أخرى في غير ما هو منشغل به من الأكل أو في غيره مثلاً، فينقص نصيبه من لذّته ومتعته الجسمية.
بناءً على الآداب الإسلامية؛ لكل شيء موضع، ولكلّ مقام عمل يقتضيه، فإذا أردنا في موضع الشهوات أن نعطي الشهوات حقّها بالكامل فإنه ينبغي لنا أن نوقف نشاط فكرنا وحواسّنا الأخرى لصالح ذلك العمل وتلك الشهوة.
الشاهد الآخر على هذا العمل يتعلّق بآداب الصلاة؛ وهو أنه يكره للمصلّي أن يفتح عينيه بالكامل أو يطبقهما بالكامل، بل ينبغي أن يكونا نصف مفتوحتين، وذلك لأن العين هي العضو الذي يسلّط أكثر الضغط على المخ، وأكثر نشاطات المخ اليومية تعود لجهاز الإبصار الذي هو في حالة تقديم التقارير المستمرة للمرئيات والحجوم والألوان والجزئيات الأخرى. ومن هنا أنّ فاقدي نعمة البصر تكون حواسّهم الأخرى أقوى من غيرهم. فكراهية فتح العينين بالكامل أثناء الصلاة قد تكون بسبب أن نشاط العين يشغل حيّزاً كبيراً من قوى المخ ومن ثم يقلّل من تركيز الفكر والتوجّه في الصلاة. أما النهي عن الإغماض بالكامل فلعله ذو بعد أمنيّ، وهذا أيضاً من ألطاف الله تعالى.
وقال سماحة السيد حسين الشيرازي في جانب آخر من حديثه:
لا رهبانية في الإسلام ولم يرد الله تعالى منّا أن نعطّل رغباتنا الطبيعية بالكامل، بل هو تعالى القائل: «كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً»(2). وروي عن الإمام الرضا سلام الله عليه قوله: «إذا جعت فكُلْ، وإذا عطشت فاشرب، وإذا هاج بك البول فبل، ولا تجامع إلا من حاجة، وإذا نعست فنم، فإن ذلك مصحّة للبدن»(3).
ولكن ينبغي أن نعلم أننا إذا أردنا أن ننمّي عقلنا وروحنا، فإنه يجب أن نقلّل من إحساساتنا ورغباتنا، ولا يعني ذلك بالطبع أن نحرم أنفسنا من النعم، بل المقصود أن تنمية العقل والارتقاء به تستلزم الهبوط بالبعدين الآخرين وعدم تضخيمها. فمثلاً إذا تجنّبنا الأحاديث غير الضرورية فستكون أهدأ بالاً، ومصانين عن الكثير من المزالق والذنوب اللسانية، وهكذا النظر إلى كثير من الأمور يمكن أن نستغني عنها، فكثير منها ليست ضرورة للنظر إليها بل لا ثمرة فيها سوى أنّها تشغل تفكيرنا وروحنا وتصدّنا عن ذكر الله تعالى وربّما ورّطتنا بالذنوب. ومن هذا القبيل النظر إلى كثير من الأمور التي لا يحرم النظر إليها ظاهراً، وكلّما زادت هذه النظرات ازداد انشغال فكر الإنسان وروحه وزاد تعبه. فقد روي عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «عمى البصر خير من كثير من النظر»(4).
فمن يريد تنمية روحه يجب عليه أن لا ينطق كلّ حديث ولا يكون كلّ شيء وأن يغض طرفه عن زخارف الدنيا وزبرجها والأمور غير الضرورية التي توجب غفلته، وأن يتنزل بشهواته إلى الحد المعقول والمتوازن.
وأشار فضيلته في جانب آخر من حديثه إلى سعة المعقولات والعلوم والحقائق ومحدودية الفهم والإدراك البشري وقال: إن العالم مليء بالأسرار والحقائق المكتومة ومهما يتعلّم الإنسان فهو في بداية الطريق. وكلّ ما يحيط بنا ينطق بالعبر ولكنّا مع الأسف نشغل أنفسنا بأمور سطحية، ولا نعتبر ولا نتعلّم مما حولنا؛ يقول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «ما أكثر العبر وأقل الاعتبار»(5).
وأكد سماحته ضرورة أن يلتفت الإنسان إلى نفسه ويفكّر في تنمية روحه وعقله ولا يبقى مشغولاً بالهموم المادية فقط فقال:إن كثيراً منّا ينقل الرذائل الأخلاقية والنظرات الضيّقة التي كان يحملها في طفولته إلى مرحلة الشيخوخة. فمثلاً إذا كان حسوداً في طفولته أو عجولاً أو عصبيّ المزاج، أو فوضوياً تراه يبقى كذلك حتى بعد بلوغ الثمانين!
وأضاف: لعلّ قيام صبيّ بتقسيم ألعابه أو أغذيته وتوزيعها على أصحابه لا يبدو شيئاً مهماً، ولكن لو أن رجلاً كبيراً في السنّ كان أسيراً للدنيا لدرجة بحيث يعجز عن إعطاء مبلغ حقير إلى إنسان محتاج، فإن هذه ليست مسألة قليلة الأهمية ولا ينبغي المرور عليها ببساطة.
وقال فضيلته في ختام حديثه: إن كثيراً من الناس تنمو أجسامهم، ولكن أرواحهم لا تنمو بما فيها الكفاية. فمثلاً تزداد أمواله ووسائل راحته ورفاهيته المادية ولكن روحه لا ترتقي إلى درجات أعلى بل تراها باقية كما كانت في أوائل حياته ـ إن لم تتنزّل ـ.
وخلص سماحته إلى القول:
من أجل تنامي الروح والوصول إلى مقامات معنوية أرفع، يجب أن نقلّل من أثر البعدين الآخرين أي الحس والهوى في حياتنا وأن نصرف طاقاتنا في سبيل البعد الثالث أي العقل.


1/سورة يوسف: الآية31.
2/ سورة المؤمنون: الآية51.
3/ مستدرك الوسائل / ج1 / باب29 نوادر مايتعلّق بأبواب الخلاء / ص 284 / ح5.
4/ غرر الحكم / ص 260 / ح5550.
5/ المصدر نفسه / ص472 / ح10780.