زاره أخوات من مجمع القرآن الكريم في مدينة گلستان
سماحة السيد دام ظله: من يختار طريق الحقّ والخير فالله تعالى سيكون بعونه

تشرّفت مجموعة من السيدات من مجمع القرآن الكريم في مدينة گلستان (شمال ايران) بزيارة ولقاء المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله وذلك في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة.
وبعد أن رحّب بهنّ سماحته ودعا لهن بقبول الطاعات، بدأ توجيهاته بالحديث المرويّ عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «المرء حيث وضع نفسه»(1) ، وقال:
لقد كان حبيب بن مظاهر الأسدي وشمر بن ذي الجوشن صديقين أو زميلين يسكنان مدينة واحدة، وعاشا سنين معاً، ولكن كُلاًّ منهما اختار طريقه بعد ذلك، والتاريخ مليء بعبرٍ كهذه، فمن يطالع التاريخ يجد ما أكثر الإخوة الذين افترقوا في سلوك طريق الحق والباطل، فاختار أحدهم طريق الحقّ وأختار أخوه طريق الباطل. والسبب في ذلك يعود إلى أن الله تعالى أودع فينا جميعاً ـ صغاراً وكباراً، ورجالاً نساءً ـ قوّتين متضادّتين وهما القناعات والرغبات. ولقد عُبّر عن الأولى في لسان الروايات بالعقل فيما عُبّر عن الثانية بالشهوات. وما أكثر ما يقف أحدنا كل يوم على مفترق هذين الطريقين.
فمن قدّم في هذه المفترقات قناعاته على رغباته ـ أي عقله على شهواته ـ حصل على الفوز والفلاح، ومن قدّم الرغبات والشهوات خسر وندم في النهاية وإن حصل على لذّات عاجلة في بعض الأحيان.
وإلى هذه المسألة يعود تفاوت الأشخاص، فإنما صار حبيب حبيباً لأنه فضّل العقل وحكّمه، وصار شمر شمراً ولُعن لأنه انقاد وراء شهواته وأهوائه.
إذاً يجب على كلّ منّا أن يتأمّل إزاء أيّ مسألة تواجهه، وينظر ما الذي يتعلّق في هذه المسألة بالقناعات وما الذي يتعلّق فيها بالشهوات ويؤمّن الرغبات فقط؟
ثم ضرب سماحته مثلاً لبيان الفرق بين القناعات والشهوات بما روي أن : (شاميّاً رأى الإمام الحسن المجتبى سلام الله عليه راكباً فجعل يلعنه والحسن سلام الله عليه لا يردّ، فلما فرغ أقبل الحسن سلام الله عليه فسلّم عليه وضحك فقال:
«أيها الشيخ أظنّك غريباً ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا احملناك، وان كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت إرتحالك كان أعود عليك لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً وما لا كثيراً».
فلما سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ، والآن أنت أحبّ خلق الله اليّ، وحوّل رحله إليه وكان ضيفه إلى أن ارتحل وصار معتقداً لمحبتهم
)(2).
وعلّق سماحته بقوله: فإنّ الإمام سلام الله عليه ههنا حكّم العقل وإلا فإنّ النفس ميّالة على الردّ بالمثل.
وقال سماحته في جانب آخر من حديثه:
إننا نواجه قضية الاختيار بين القناعات والرغبات في داخل البيت والقضايا العائلية كل يوم. فعلى سبيل المثال:
قد تقول الزوجة إثر خلاف حصل بينها وبين زوجها: (ما دام لا يقدّر أتعابي ولا يهتمّ بي أو يحترم مشاعري، فإنني أيضاً سأهمله وأقاطعه). فهذا الحديث الذي تحدّث به المرأة نفسها يعبّر عن رغبتها، أما كلامها إذا كانت ملتزمة بالقناعة أو ما يحكم به العقل آنذاك فسيكون: (أن المرأة يمكنها أن تقوم بتربية الرجل أيضاً وأن تساعد في رقيّه، فلأ عمل على ذلك من خلال سلوكي الحسن معه).
وأضاف سماحته:
مثل هذه المرأة ستوفّق بعد عدة أسابيع أو أشهر على إشعار زوجها وتغيير سلوكه وتعامله؛ في حين لو عملت وفق رغبتها وهواها لجعلت حياتهما مرة ولما حقّقت أيّ نجاح في تغيير زوجها، ولأبقت عليه في جهله وتخلّفه وعدم رقيّه.
طبعاً لو لم توفّق المرأة في تغيير زوجها رغم موقفها الإيجابي وظلّت تقابل تصرّفاته الحادّة بالليونة والكلام اللطيف فإنها ستكون في حكم آسية بنت مزاحم التي كان زوجها (فرعون) من أسوأ الناس ولكنّ الله تعالى مدحها في كتابه فقال: «وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون...»(3).
ومما لاشك فيه أن ضرب المثل بامرأة فرعون يعني أن الله تعالى عرّفها كنموذج وقدوة لنا. كما أنه يعني أنها ليست قدوة للنساء فقط بل للرجال أيضاً، كما قال عزّ من قائل: «ضرب الله مثلاً للذين آمنوا» أي المؤمنين والمؤمنات جميعاً.
وهذه القضية تصدق على الرجال أيضاً، فإنه يجب عليهم أن يتحلّوا بالصبر في المحيط العائلي في قبال الأمور التي قد تزعجهم ولا تعجبهم، وأن يحكّموا عقولهم بدلاً من الوقوع أسرى أهوائهم ورغباتهم المحضة. فإذا ملك الرجل نفسه إزاء بعض النواقص في الحياة، ولم يتصرف بالمثل إزاء بعض التصرفات غير المناسبة من زوجته، فإنه أيضاً سيوفّق لإشعار المرأة وتحسيسها بخطئها والعودة عنه. ولاشك أنه لن يخسر شيئاً حتى في حال عدم تغيّرها، فإنه يكون قد عمل بواجبه وسيؤجر عليه في الآخرة.
وقال سماحته: لم يذكر لنا التاريخ أبداً أن الإمام الحسن المجتبى سلام الله عليه قد تصرّف بغلظة أو حدّة مع زوجته جعدة بنت الأشعث رغم أنها كانت في غاية السوء. وإن هذه الأخلاق الرفيعة والحلم الذي امتاز به الإمام الحسن سلام الله عليه يجب أن يكون درساً لنا، فإنّ الإمام هو القدوة الحسنة للمؤمنين.
وقال سماحته في الختام:
هذه الأمور كلها بحاجة إلى ترويض وصبر، ولعلها تبدو صعبة في البداية، ولكن ينبغي أن يُعلم أن كل الطرق تبدأ بالخطوة الأولى، ومن يختار سلوك طريق الخير فإنّ الله تعالى سيعينه. كما أن من المهم أن نعلم أنّ كل إنسان سيصبح بالنحو الذي اختاره بنفسه.


(1) غرر الحكم ودرر الكلم، ص238.
(2) مناقب ابن شهر آشوب / ج3 / ص 184.
(3) سورة التحريم: الآية11.