زاره أخوات من مدينة يزد
سماحة السيد دام ظله: الأعمال الصالحة ثروة الآخرة فلاتضيّعوها

قام جمع من السيدات من مدينة يزد بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة ، واستمعن لتوجيهاته القيّمة.
فبدأ سماحته حديثه معهن بتلاوة الآية الكريمة: «فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرّة شراً يره»(1) وقال:
المثقال مصدر ميميّ من الثقل، وثقل الشيء يساوق وزنه؛ والآية لم تتحدث عن حجم الذرة بل عن وزنها، فكما تعلمون إنّه يمكن رؤية حجم الذرّات المتناثرة في الهواء، ولكنها من حيث الثقل أو الوزن خفيفة جداً لدرجة يمكن ملاحظة حركتها حتى في الأماكن التي لا تكون حركة أمواج الهواء فيها محسوسة؛ وذلك لأنّه حتى الأمواج القليلة جدّاً وغير المحسوسة للهواء يمكنها تحريكها.
وأضاف سماحته: استناداً إلى هذه الآية المباركة فإنّ أيّاً من أعمال الخير والشر التي يرتكبها الإنسان لا تخفى على الله تعالى، وبسبب رحمة الله الواسعة فإنّ أيّاً من أعمالنا الخيّرة مهما صغر وتضاءل لا يظلّ بدون أجر وثواب. أما أعمالنا السيئة فإن الله تعالى يغفرها جميعاً إذا استغفرنا منها، ما لم تكن من حقوق العباد؛ إلاّ إذا تنازل صاحب الحق عنها فإن الله سبحانه يعفو عنا أيضاً. فمثلاً تعتبر جراحات اللسان من الظلم في حقّ الناس، فلو جرحت زوجة أم زوجها بلسانها أو العكس، فإنّ التي جَرحت إذا أرادت أن تتوب إلى الله جلّ شأنه يجب عليها أوّلاً أن تسترضي التي جُرحت، ففي الحديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: «إن ربّي عزّ وجلّ حكم وأقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم»(2)
وضمن الإشارة إلى الآثار الدنيوية والأخروية لأعمال الخير والشر استشهد سماحته بالرواية التالية:
«روي عن أبي الصلت الهروي عن أبي الحسن الرضا سلام الله عليه قال: قال أبي موسى بن جعفر سلام الله عليهما لعلي بن أبي حمزة مبتدئاً: تلقى رجلاً من أهل المغرب، يسألك عنّي فقل له: هو الإمام الذي قال لنا به أبو عبد الله الصادق سلام الله عليه، فإذا سألك عن الحلال والحرام فأجبه.
قال: فما علامته؟ قال: رجل جسيم، طويل، اسمه يعقوب بن يزيد، وهو رائد قومه، وإن أراد الدخول إليّ فأحضره عندي.
قال علي بن أبي حمزة: فو الله إني لفي الطواف إذ أقبل رجل، طويل، جسيم، فقال لي: أريد أن أسألك عن صاحبك، قلت: عن أي الأصحاب؟ قال: عن موسى بن جعفر سلام الله عليهما، قلت: فما اسمك؟ قال: يعقوب بن يزيد. قلت: من أين أنت؟ قال: من المغرب. قلت: من أين عرفتني؟ قال: أتاني آت في منامي، فقال لي: الق علي بن أبي حمزة، فسله عن جميع ما تحتاج إليه، فسألت عنك، فدللت عليك، قلت: اقعد في هذا الموضع حتى أفرغ من طوافي وأعود إليك، فطفت ثم أتيته فكلّمته فرأيت رجلاً عاقلاً فهماً، فالتمس منّي الوصول إلى موسى بن جعفر سلام الله عليهمت، فأوصلته إليه، فلمّا رآه قال: يا يعقوب بن يزيد! قدمت أمس ووقع بينك وبين أخيك خصومة، في موضع كذا، حتى تشاتمتما، وليس هذا من ديني ولا من دين آبائي، فلا نأمر بهذا أحداً من شيعتنا، فاتق الله، فإنكما ستفترقان عن قريب بموت، فأما أخوك فيموت في سفرته هذه قبل أن يصل إلى أهله، وتندم أنت على ما كان منك إليه، فإنكما تقاطعتما وتدابرتما، فقطع الله عليكما أعماركما، فقال الرجل: يا ابن رسول الله! فأنا متى يكون أجلي؟ قال: قد كان حضر أجلك، فوصلت عمّتك بما وصلتها، في منزل كذا وكذا، فنسأ الله تعالى في أجلك عشرين حجّة، قال علي بن أبي حمزة: فلقيت الرجل من قابل بمكة فأخبرني أن أخاه توفي ودفنه في الطريق قبل أن يصير إلى أهله
»(3).‏
وقال سماحته:
فلنحاول أن لا نضيّع أعمالنا الجيدة التي قمنا بها في شهر رمضان المبارك، ولا نفرّط بهذه الثروة التي ادّخرناها؛ بل ليكن همّنا مضاعفة هذه الثروة حتى شهر رمضان القادم؛ فإن الأعمال الصالحة هي ثروة الدار الآخرة التي كلّ يوم فيها يعادل خمسين ألف سنة.
ثم عقّب سماحته بالقول: رغم أن الآخرة أهمّ من الدنيا، إلا أنّ لأعمال الإنسان آثاراً دنيوية أيضاً، فمثلاً: صلة الرحم تزيد في العمر. وورد في ذلك روايات كثيرة.
ثم ختم سماحته الحديث بتوجيه بعض الوصايا للحاضرات وقال:
أوصيكن بثلاث وصايا لها منشأ قرآني، كما كان أخي المرحوم قدس سره يؤكّد هذه الوصايا أيضاً، وهي:
الوصية الأولى: تتعلق بتعلّم وتعليم علوم أهل البيت سلام الله عليهم وتأسيس الحوزات العلمية للسيدات. فما أفضل أن يسعى كل إنسان لتعلّم واجباته الشرعية، وكذلك تعليم الواجبات الشرعية المبتلى بها للآخرين؛ قال الإمام الرضا سلام الله عليه:

«رحم الله عبداً أحيى أمرنا، فقيل: كيف يحيي أمركم ؟ قال سلام الله عليه: يتعلّم علومنا ويعلّمها الناس فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا»(4).
الوصية الثانية: سعي السيدات الفاضلات في مجال تسهيل أمور زواج الشابات والشباب العزّاب، وايجاد مؤسسات خاصة لهذا الغرض.
الوصية الثالثة: السعي لتأسيس مؤسّسات القرض الحسن ومساعدة الذين يعانون من مشاكل مالية. وفي هذا المجال يستطيع كل شخص أن يخطو خطوة على قدر مكنته المالية. هذه الخطوات حتى الصغيرة منها ستكون منشأ للأثر ومحفوظة عند الله تعالى «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره».


1/ سورة الزلزلة: الآية 7و8.
2/ مستدرك الوسائل / ج18 / باب20 نوادر ما يتعلق بأبواب قصاص الطرف/ ص 287 / ح2.
3/ الخرائج والجرائح / للراوندي/ ج1 / الباب الثامن في معجزات الإمام موسى بن جعفر سلام الله عليهما/ ص307.
4/ وسائل الشيعة / ج27 / باب 8 وجوب العمل بأحاديث النبي صلى الله عليه وآله/ ص 92/ ح 33297.