بين يدي المرجع - الليلة الحادية عشرة

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدسة.
وخلال لقائهم بسماحة السيد يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا و توجيهات.

في هذه الليلة طرحت مسألة في الخمس مفادها: إذا اشترك شخصان في شراء دارٍ مثلاً بعشرين مليون دينار دفع كل منهما عشرة ملايين، وبعد مضي سنوات ارتفعت قيمتها وبلغت ثلاثين مليون دينار مثلا فباع احدهما بخمسة عشر مليوناً ولم يبع الآخر حتى السنة التالية ولكن انخفض سعرها بحيث باع بتسعة ملايين مثلاً؛ فالسؤال هل يعتبر الشخص الثاني ضامناً؟ وماذا عن الشخص الأول؟
فقال سماحته: بعض الفقهاء يقولون إن الشخص ضامن في التنزل ولا شيء عليه في الارتفاع، مع أنه لا يوجد نص أو دليل خاص في هذا المجال.
وأضاف: يقول صاحب العروة ـ ويتفق معه كثير من العلماء ـ : في الزيادة المتصلة والمنفصلة يتعلق الخمس بها، ولكن لا يتعلق بارتفاع القيمة، وأذا حصل التنزل فهو ضامن.
ثم طرحت مسألة أخرى وهي أنه لو أعطى شخص ثمن عشرة أرغفة من الخبز للخباز ولكن الخباز أعطاه إحدى عشرة، ولم يلتفت المشتري فماذا عليه أن يفعل؟
فأجاب سماحته: إن كان يعلم بأنه يرضى وأنه لو أخبره لقال له لا ضير عليك فلا إشكال فيه. أما اذا علم بأنه لا يرضى ففي هذه الحالة تكون بنحو الإشاعة وتعيينه يكون على العرف.
وفي هذه الليلة نقل سماحته قصة تعكس أخلاق علماء الدين وحلمهم فقال: روي عن أحد تلامذة الآخوند الخراساني أنه قال: كنا نحضر درس الشيخ الآخوند وكان يحضر درسه أكثر من ألف شخص، ولم يكن من دأب الآخوند أن يجيب على إشكالات الطلبة خلال الدرس لأنه كان يعتقد بأنه ربما لا يستفيد سائر الطلبة من هذا الإشكال وجوابه، فكان لا يجب إلا بعد الدرس.
وكان يحضر درس الشيخ طالب شاب يمارس مهنة أخرى غير طلب العلم إذ كان يبيع السبح والخواتم بعد الدرس، وفي إحدى الجلسات أشكل هذا الطالب إشكالاً على الشيخ ولكن الأخير لم يجب عليه ـ على عادته ـ فتألمّ الطالب ورفع صوته قائلاً: ألم تسمع إشكالي فلماذا لم تجب عليه؟ فاعتذر له الشيخ بمَثل فحواه أنه (لا يمكن مسك بطيختين بيد واحدة). فرفع الطالب صوته وقال للشيخ: لقد أصبحت شيخاً ولكنك لم تصبح آدمياً. فأطرق الشيخ برأسه ولم يقل شيئاً. وسكت الطلاب أيضاً وبهتوا وكأنّ على رؤوسهم الطير. وبعد لحظات رفع الشيخ رأسه وأخذ بلحيته وقال: أجل لقد أصبحت شيخاً.
فعقّب سماحة السيد المرجع حفظه الله على القصة قائلاً: إن هذا الأسلوب من التعامل يحتاج إلى أرضيّة يبني الإنسان نفسه فيها منذ شبابه حتى يصل إلى هذا المستوى من الأخلاق الرفيعة ويكون مصداقاً لما في الحديث الشريف: «إن قال لك قائل إن قلت واحدة سمعتَ عشراً، فقل له: إن قلت عشراً لم تسمع واحدة».