سماحة السيد في محاضرة بجمع من الأخوات الناشطات
في المجال الديني:
اسعين في تربية الشابات وقضاء حوائج الناس
 |
قامت مجموعة من النساء من الهيئات الدينية في مدينة
قم المقدسة بزيارة سماحة آية الله العظمى السيد صادق
الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرم بمدينة قم
المقدسة، وذلك في الرابع والعشرين من رمضان المبارك،
حيث ألقى فيهن كلمة قيّمة استهلّها بقول الله تعالى في
الآية الكريمة: «يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا
صدقاتكم بالمن والأذى»(1).
ورحّب سماحته في البدء بالحاضرات وقال:
أرجو ببركة هذا الشهر العظيم وبرعاية مولانا صاحب
العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف أن يعيننا
على ما تبقى وأن يتقبّل أعمالنا وأن يشملنا بشفاعة
رسوله الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطيبين
الطاهرين.
وأضاف: لم يبق من هذا الشهر المبارك إلا أيام
ومرّت علينا ليالي القدر، وثبت التقدير وحصل الإبرام
للجميع في الليلة الثالثة والعشرين إلى السنة القادمة،
لكن علينا أن نستفيد من باقي أيام هذا الشهر.
ثم نقل سماحته رواية تتعلق بالآية التي استهلّ بها
حديثه؛ تقول الرواية:
«دخل رجل على محمد بن علي بن موسى الرضا سلام الله
عليهم وهو مسرور، فقال:
ما لي أراك مسروراً؟ قال: يا ابن رسول الله، سمعت أباك
يقول: أحق يوم بأن يسر العبد فيه يوم يرزقه الله صدقات
ومبرات وسد خلات من إخوان له مؤمنين، وإنه قصدني اليوم
عشرة من إخواني [المؤمنين] الفقراء لهم عيالات،
قصدوني من بلد كذا وكذا، فأعطيت كل واحد منهم فلهذا
سروري.
فقال محمد بن علي (الجواد) سلام الله عليه: لعمري إنك
حقيق بأن تسر إن لم تكن أحبطته أو لم تحبطه فيما بعد.
فقال الرجل: وكيف أحبطته وأنا من شيعتكم الخُلّص؟
قال: هاه قد أبطلت برك بإخوانك وصدقاتك.
قال: وكيف ذاك يا ابن رسول الله؟
قال له محمد بن علي سلام الله عليه: اقرأ قول الله
عزّوجلّ:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا
صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأذى).
قال الرجل: يا ابن رسول الله! ما مننت على القوم الذين
تصدّقت عليهم ولا آذيتهم.
قال له محمد بن علي سلام الله عليه: إن الله عزّوجلّ
إنما قال (لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ
والأذى) ولم يقل لا تبطلوا بالمن على من تتصدقون
عليه، [وبالأذى لمن تتصدقون عليه] وهو كل أذى، أفترى
أذاك للقوم الذين تصدّقت عليهم أعظم، أم أذاك لحفظتك
وملائكة الله المقرّبين حواليك، أم أذاك لنا؟
فقال الرجل: بل هذا يا ابن رسول الله.
فقال: فقد آذيتني وآذيتهم وأبطلت صدقتك.
قال: لماذا؟ قال: لقولك (وكيف أحبطته وأنا من شيعتكم
الخُلّص) ويحك، أتدري من شيعتنا الخُلّص؟ قال: لا.
قال: شيعتنا الخُلّص حزقيل المؤمن، مؤمن آل فرعون
وصاحب يس الذي قال الله تعالى [فيه]: (وَجاءَ مِنْ
أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى) وسلمان وأبو ذر
والمقداد وعمار، أسوّيت نفسك بهؤلاء؟ أما آذيت بهذا
الملائكة، وآذيتنا؟
فقال الرجل: أستغفر الله وأتوب إليه، فكيف أقول؟
قال: قل: أنا من مواليكم ومحبّيكم، و معادي أعدائكم،
وموالي أوليائكم. فقال: كذلك أقول، وكذلك أنا يا ابن
رسول الله، وقد تبت من القول الذي أنكرته، وأنكرته
الملائكة، فما أنكرتم ذلك إلا لإنكار الله عزّوجلّ.
فقال محمد بن علي بن موسى الرضا سلام الله عليه: الآن
قد عادت إليك مثوبات صدقاتك وزال عنها الإحباط»(2).
فالإمام في هذه الرواية ينهى عن قول أنا فعلت كذا
لكذا. أجل قد يكون هذا القول جائزاً بل مستحباً إذا
كان بقصد تعليم الآخرين، وهذا ما كان يفعله الأئمة
سلام الله عليهم.
ثم حكى سماحته قصة في هذا المجال، فقال:
قال لي حاجّ أعرفه: بينما أنا ذاهب إلى بيتي في أحد
الأيام وإذا بي أرى رجلاً مع زوجته وأطفاله جالسين في
الطريق ويظهر عليهم أنهم أغنياء، فتعجّبت في نفسي
وتقربت إليهم وسألتهم عن سبب جلوسهم في هذا المكان،
فقالوا: نحن زوّار، ومهما بحثنا عن مكان في الفنادق لم
نجد مكاناً فارغاً فاضطررنا للجلوس هنا.
فقال لهم الحاجّ: يمكنكم أن تأتوا معي إلى بيتي.
ففرحوا بذلك وأضمروا أن يعطوه الأجرة المناسبة آخر
الأمر، وأنزلهم الحاج في بيته منزلاً كريماً حتى
أقاموا عنده عشرة أيام ـ ولما أرادوا المغادرة قدّموا
للحاج أموالاً كثيرة ولكنه أبى، وعندما ألحّ عليه ربّ
العائلة قال الحاجّ: لقد جئت بكم إلى بيتي قربة إلى
الله تعالى ولأنكم زوّار الإمام سلام الله عليه.
ومرّت على تلك القصة سنوات وابتلي الحاجّ بمشكلة في
بلد ذلك الرجل الزائر فأودع بالسجن وكان ينتظر صدور
الحكم بحقّه، وفي أحد الأيام دخل عليه ضابط وقال له:
ألست فلاناً ومن البلد الفلاني؟
قال: نعم. ثم نظر إليه قائلاً: ألم تعرفني؟ أنا فلان
الذي نزلت مع عائلتي عندك عشرة أيام. ثم قال: هذا حكمك
بيدي وهو الإعدام. ثم مزّق ورقة الحكم وقال لي: يمكنك
أن تنصرف ! وأطلق سراحي.
ثم عقب سماحة السيد المرجع على القصة قائلاً:
يتضح من هذه القصة أن الخير الذي يفعله الإنسان
لغيره إنما يعود في الحقيقة لنفسه، وقد يراه الإنسان
في هذه الحياة ولو بعد حين، مضافاً إلى ثوابه في
الآخرة.
وهذا الشهر وما تبقى من أيامه فرصة لتغيير أنفسنا،
وهذا بحاجة إلى عزم وتصميم.
ثم قال سماحته: توفيت إحدى النساء من أقاربنا
فرؤيت في المنام فسئلت عن حالها فقالت إنني أتنعم بنعم
الجنة، وعندما سئلت عن عمتها (أم زوجها) قالت: نعم في
بعض الأحيان فهي أعلى مرتبة مني ولذلك يمكنها أن تأتي
لزيارتي ولا يمكنني الارتقاء إلى مكانها لزيارتها.
وعندما سئلت عن السبب قالت: لأن الله جعلني في درجة
الصابرين أما هي ففي درجة الراضين بقضاء الله تعالى.
وعقّب سماحته: إن الرؤيا وإن لم تكن حجة ولكن
الروايات تؤيد هذه الرؤيا فإن الرضا بقضاء الله أعلى
مستوى من الصبر.
ثم ذكر سماحته قصة لأحد أصحاب المعصومين سلام الله
عليه ابتلي بمرض ففقد نظره في إحدى عينيه ولكن لم
يكن الناظر يلتفت لذلك. واستمر على هذه الحالة أربعين
سنة دون أن يخبر حتى زوجته بالأمر. وفي أحد الأيام
اشتكى عنده أحد الأصحاب ألماً في عينه، فقال: إني مصاب
بفقد إحدى عينيّ منذ أربعين سنة دون أن أخبر أحداً،
وإني إذ أقول ذلك لك الآن لتعرف معنى الصبر ومعنى
الرضا بقضاء الله تعالى.
ثم خاطب سماحته الحاضرات بقوله: أنتن أيضاً
يمكنكن أن تصلن إلى ذلك المستوى الرفيع. وهذا الشهر
فرصة مناسبة؛ خاصة ليلة عيد الفطر ـ التي في الرواية
أنّ الله تعالى يعتق فيها بمقدار مجموع ما أعتق خلال
هذا الشهر العظيم ـ.
ثم ختم سماحته حديثه معهن بالقول:
أوصيكن ـ كما كان أخي المرحوم السيد محمد الشيرازي قدس
سره يوصي النصيحة للمؤمنين والمؤمنات في مثل هذه
الأيام ـ بثلاث وصايا وهي:
1. السعي لتربية بعض الشابات على الخطابة من
أجل نشر الدين.
2. تأسيس لجان لتزويج العزّاب.
3. تأسيس صندوق للقرض الحسن.