فضيلة السيد حسين الشيرازي دام عزّه:
لا يسلك طريق العمل لله تعالى وخدمة عباده إلا الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان

إنه لشرف عظيم وامتياز كبير أن يوفّق المرء لتحمّل المسؤولية في طريق هداية الناس وتقديم الخدمات لهم؛ لأن أكثر الناس يصرفون ـ في العادة ـ حياتهم وطاقاتهم وإمكاناتهم وكلّ ما منّ الله به عليهم في سبل الحياة الدنيا فقط، أما الذين يختارون العمل في سبيل الله تعالى وخدمة عباده ويتحملون التضحيات في هذا الطريق فقليلون.
هذا ما جاء في كلمة فضيلة السيد حسين الشيرازي حفظه الله، نجل سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، التي ألقاها على وفد مؤسسة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله الثقافية من العراق والتي استهلها بقول الله تعالى: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا»(1).
وقال فضيلته: لقد تحمّل النبي صلى الله عليه وآله كل أنواع المحن والصعوبات وقدّم أعظم التضحيات من أجل تبليغ رسالة ربّه، وهذا شهر شعبان، وهو شهر النبي صلى الله عليه وآله كما نقرأ في الصلوات الشعبانية: «وهذا شهر نبيك سيد رسلك شعبان...» ونحن مأمورون بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله؛ قال تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة»(2). فأحرى بالمؤمنين ولاسيما العاملين منهم أن يسيروا على نهج النبي صلى الله عليه وآله ويقتدوا به في جهاده وتحمّله الصعاب في سبيل الله تعالى وتبليغ دينه، وكذلك خدمة عباد الله وهدايتهم إلى الطريق القويم.
وأوضح: لقد قدّم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله تضحيات جسيمة بل أعظم التضحيات. فلقد كان يحظى بمكانة عظيمة وحّب كبير في مجتمعه قبل أن يعلن دعوته، ولكنه ضحّى بها من أجل الدعوة نفسها.
ويكفي دليلاً على ذلك دوره في حلّ النزاع حول وضع الحجر الأسود في مكانه، فلقد رضي المتنازعون به حَكَماً وهم الشيوخ والكهول والزعماء، وهو الشاب الذي ينتمي إلى إحدى القبائل التي يتشكلون منها.
وقبل هذا وبعده، تسميته بالصادق الأمين، ومجيء كبارهم إلى أبي طالب عمه يعرضون عليه مختلف العروض مقابل تنازله عن دعوته التي تعني رفض آلهتهم وتسفيه أحلامهم والقضاء على مصالحهم وتغيير المعادلات كافّة! حتى بلغ بهم الحال الاستعداد لأن يملّكوه أنفسهم. وهذا معناه أن يجعلوه ملكاً عليهم إن لم نقل بالمعنى الأعم وهو أن يكونوا له عبيداً، خاصة وأن الملوك في السابق كانوا كالمالكين لرقاب رعاياهم.
وهذه العروض لم تكن نابعة من خوف من النبي صلى الله عليه وآله ولا من قبيلته بقدر ما كانت تعبّر عن حبّ له واحترام لا يريدون التفريط بهما بسبب الدعوة التي أطلقها والتي كانت تعني كما أسلفنا القضاء على وضعهم الاجتماعي وتغييره بالكامل.
ولكن النبي صلى الله عليه وآله لم تثنه تلك العروض بل ضحى حتى بما كان يحظى فيهم من مكانة قلّما تجد لها مثيلاً لا سيما لمن في مثل عمره في مجتمع قبلي يحكمه الشيوخ والأعراف، حتى آل الأمر إلى أن يلقى منهم كلّ ذلك الهوان والعذاب الذي عبّر عنه صلى الله عليه وآله بقوله: «ما أوذي نبي مثل ما أوذيت»(3). وبلغ بهم الحال أن أمروا صبيانهم بأن يلحقوه ويرموه بالحجارة حتى كان الدم يسيل من جسده الطاهر.
فماذا كان موقفه إزاء كلّ ذلك الأذى الذي لحقه منهم؟ هل تراجع؟ هل غضب؟ هل دعا عليهم؟ كلا ثم كلا، بل توجّه إلى ربه ودعا لهم قائلاً: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»(4) وهو العزيز على الله تعالى وقد توافدت عليه الملائكة تعرض عليه الانتقام منهم والفتك بهم.
ثم تناول سماحته الآية الكريمة التي استهلّ بها حديثه فقال:
يقول علماء الأدب أن الجمع المضاف يفيد العموم، فقوله تعالى: سبلنا معناه كلّ سبلنا. فيكون في قوله تعالى: «لنهدينّهم سبلنا» ثلاثة توكيدات ـ رغم أن الله تعالى هو أصدق الصادقين وكلامه غنيّ عن التوكيد ـ وهذه التوكيدات هي لام التوكيد ثم نون التوكيد الثقيلة وأخيراً صيغة الجمع المضاف.
وضرب فضيلته لذلك مثلاً فقال: لو قال شخص لأحد اغسل ثيابي فهذا معناه ثيابه كلها وليس بعضها. والله تعالى يقول: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا» أي كل سبلنا، المادية منها والمعنوية.
وأردف سماحته: إن هذه لمنّة عظيمة وجزاء كبير من الباري لعباده المجاهدين. فما قيمة المال وسائر القوى المادية مقابل سبل الله تعالى.
أما عن الجهاد فقال فضيلته: ليس المقصود بالجهاد إشهار السيف والقتال فقط بل كل جهد يبذلها الإنسان وكل معاناة يتحمّلها في طريق الله بل في الله تعالى ومن أجله، ولذلك لم تقل الآية في سبيل الله أو في سبيلنا، بل قالت: فينا.وهذا يشمل كل معاناة وكل جهد يبذله الإنسان أو يتحمّله بسبب انتمائه لله تعالى؛ حتى الكلمة النابية التي يسمعها المؤمن بسبب إيمانه.
وذكّر فضيلته الحاضرين بالصعوبات التي تواجه الإنسان في هذا الطريق فقال: ولكن لا ينبغي أن يتصور أن هذا الطريق مفروش بالورود والرياحين بل هو وكما عبّر عنه في لسان القرآن الكريم بذات الشوكة، فإن الله تعالى يهدي المجاهدين في سبيله بسبله، وينصرهم في عاقبة الأمر، ولكن هذا لا يتنافى مع متطلبات الابتلاء، بل أن الله قد يعطي من لا يعمل في سبيله من وسائل العيش والراحة ما لا يعطي العاملين في سبيله. إن من يريد أن يخدم الشيطان لا يجد مرارة وصعوبة بل قد يكون سعيداً من الناحية المادية، فقد قال تعالى: «ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون»(5) وقال: «قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدّاً...»(6).
أما الذي يريد العمل في سبيل الله تعالى فتراه يذوق المرارة. ولو لاحظتم تاريخ الأنبياء عليهم السلام رأيتم أنهم لم يعطوا المال والسلطان ـ إلا نبي الله سليمان ـ وكان الضعفاء والمحرمون هم أتباع الأنبياء، قال تعالى: «وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي...»(7) و«قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون»(8) وقال أيضاً: «كذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً شياطين الجن والإنس»(9).
فلا ينبغي التوقع خلاف ذلك بل إذا نويت العمل في سبيل الله فاعرف أن عباقرة من الأشرار سيقفون في طريقك ويحاربونك. ولكن لا ينبغي لك أن تيأس فإن الله هو القائل: «... والذين جاهدوا فينا...».
وقال فضيلته: إن من يختار العمل في هذا الطريق فعليه أن ينتظر المشكلات، فالناس يخلقون له المشاكل ولا يتركونه، وأصحاب الحوائج أيضاً يلحّون عليه، وصاحب الحاجة أعمى لا يعرف إلا حاجاته، والإمكانات بطبيعة الحال محدودة. فهذه هي طبيعة هذا الطريق ولا ينبغي الاستغراب والعجب.
وقال فضيلته: يقول أمير المؤمنين سلام الله عليه في وصف هذه الحالة: «أيها الناس ! لو أن الموت يشترى لاشتراه من أهل الدنيا الكريم الأبلج»(10) وذلك لأن له قلباً يتألم لمشاكل الناس ونفساً كريمة وهو فوق ذلك ابلج أي مشهور يعرضونه فيقصدونه، ولكن ليس عنده سعة، فيتضايق لدرجة أنه يتمنى الموت! ويقول الإمام الصادق سلام الله عليه أيضاً: «الفقر الموت الأحمر.فقيل: الفقر من الدينار والدرهم؟ فقال:لا ، ولكن مع الدِّين»(11).
وخلص سماحته إلى أن الله تعالى يمد المؤمنين الهداية وليس الأموال؛ قال تعالى: «ويزيد الله الذين اهتدوا هدى»(12) لا مالاً.والأدلة على هذا المطلب كثيرة؛ فمثلاً نقرأ قوله تعالى: «وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلّوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم»(13) ما يعني أن الفقر المادي كان إلى جانب موسى، فيما كانت الأموال والزينة عند فرعون!
فجاءه الجواب: «قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون»(14) ويقال أن النصر جاء موسى وقومه بعد أربعين سنة من هذا الدعاء مع أن الله تعالى قال له ولأخيه «قد أجيبت دعوتكما» وهذا معناه إرشاد من الله تعالى لنبيه أن يكون صبوراً ولا يكون كهؤلاء الجهلة ولذلك قال: «فاستقيما ولا تبعان سبيل الذين لا يعلمون».
وقال فضيلته: إن الله ينصر عباده المؤمنين كما وعد «إنا لنصر رسلنا والذين آمنوا»(15) وأن هذا النصر كما تقول الآية يكون «في الحياة الدنيا» أيضاً «ويوم يقوم الأشهاد» ولكن الله تعالى يحبّ أن يرى الصبر منهم، كما قال الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه «فلما رأى الله منّا صدقاً وصبراً أنزل الكتاب بحسن الثناء علينا والرضا عنّا ، وأنزل علينا النصر»(16).
وأضاف: فلتكن لنا في رسول الله وفي امير المؤمنين صلى الله عليهما وآلهما أسوة حسنة فلنصبر ونستمر على الاستقامة والخدمة ولا نملّ أو نتراجع حتى يحقق الله تعالى الآمال لهذا البلد المنكوب ـ العراق الجريح ـ ويكفّ عنه العذاب والتنيكل ببركة صاحب الأمر صلوات الله وسلامه عليه وعجّل الله تعالى فرجه الشريف ويعيش الناس في العراق في حرية ورفاه وسلام وأيمان وبسلام.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


1/سورة العنكبوت ، الآية 69.
2/ سورة الأحزاب ، الآية 21.
3/ كشف الغمة / للأربلي / ج3 / ص 247.
4/ بحار الأنوار / ج 35 / باب 3 نسبه وأحوال والديه و.. / ص 177.
5/ سورة الزخرف ، الآية 33.
6/ سورة مريم ، الآية 75.
7/ سورة هود ، الآية 27.
8/ سورة الشعراء ، الآية 111.
9/ سورة الأنعام ، الآية 112.
10/ الكافي / ج 8 / خطبة الوسيلة لأمير المؤمنين سلام الله عليه / ص 22.
11/ الكافي / ج 2 / ص 226 / ح2 .
12/ سورة مريم ، الآية 76.
13/ سورة يونس ، الآية 88.
14/ سورة يونس ، الآية 89.
15/ سورة غافر ، الآية 51.
16/ بحار الأنوار / ج30 / باب 20 / ص 321.