تقرير خبري عن اليوم الأول من انعقاد المهرجان الخامس للإمام أمير المؤمنين في دمشق
 

 

من على بعد مئات الأمتار من قصر العدل في منطقة المزّة وسط العاصمة السورية دمشق يشاهد الزائر لهذه المدينة القديمة قدم الحضارات والأمم الأولى ، تقاطر العلماء والمفكّرين والكتّاب والإعلاميين والجامعيين , من الرجال والنساء , ومن أديان ومذاهب وقوميات وجنسيات متنوعة , إلى المركز الثقافي العربي , الذي علت فضاءه لافتات ملوّنة بألوان طيف الشمس وإضاءات القمر, وزاد ذلك شذرات الورد والرياحين والأزهار التي خطّ بها أجمل عبارات المحبة والترحيب بالقادمين ابتهاجاً بمولد سيّد العادلين ومولى الموحّدين وناصر المظلومين وراحم الفقراء والمساكين الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه والذي يصادف في الثالث عشر من شهر رجب الأصب .
ومع أول عتبات المبنى يؤكد القائمون للحفل وكما في كل عام ومنذ خمس مواسم مضت ديمومة وتوهج نجاحهم من خلال التجدد في الفعاليات , والانفتاح على الأفكار والأطروحات ، ومواكبة الأحداث والتطورات التي يشهدها عالمنا الفسيح مؤسسين بذلك منهجاً عالياً في بلورة مضامين الاحتفاءات إلى لمسات وآثار فاعلة ومؤثرة في الإنسان والواقع الذي يعيشه عازمين على ألا تظل تلك الاحتفاءات – كما هو في الاحتفالات التقليدية - حبيسة نفسها ودوائر شعاراتها وكلماتها وإنما تؤكد حياتها وحياة من يحييها ويشارك فيها عبر انطلاقتها في رحاب العقل والأرض وآفاق الحياة والكون , لتغرس طيباً , وتؤكّد معروفاً , وتقلع شوكاً, وترفض منكراً.
وعلى لوحات مستطيلة طويلة صفّت على يمين ويسار المدخل الرئيسي وباحة الاستقبال حتى باب قاعة الاحتفال المنعقد تحت شعار «
أمير المؤمنين وثقافة التعايش» وضعت ملصقات ملوّنة لمئات الكتب والكراسات التي خطت في حبّ علي سلام الله عليه ومودته , وهو إشارة نبيلة من الإخوة المنظّمين لمهرجان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه الخامس الى أن علياً عليه السلام لا يقرأ إلا بالعقل والوعي والفكر المتعدد والمتجدد والحرّ كما أنه عليه السلام يرسم بالقلب والروح بعديد مواقفه الإنسانية ومآثره الأخلاقية وبطولاته الأسطورية .
وبحضور حشد كبير غصّت به قاعة حفل الأمسية الأولى من ليالي المهرجان الثلاث التي لم تسعفها المقاعد المتحركة التي أضيفت إلى تلك القاعة المبتهجة والساحة الخارجية التي تقع بمحاذاة حديقة المبنى الواسعة ، استهلّ الحفل الذي يقام برعاية وإشراف وتنظيم مركز الفردوس للثقافة والإعلام بتلاوة آيات كريمات من الذكر الحكيم رتّلها القارئ السيد محمد الموسوي على أسماع الحاضرين , ثم كلمة ترحيبية وأشعار من وحي المناسبة العطرة لعريف الحفل الشاعر والمحامي زكي النوري
كلمة الافتتاح لمعهد الإمام الشيرازي الدولي للدراسات للمهندس فؤاد الصادق ألقاها بالنيابة مدير مركز الفردوس للثقافة والاعلام السيد فاضل الطباطبائي أكد فيها ماهية قيم التعايش وأبعادها المعنوية والمادية والانسانية(1).
بعد ذلك كانت الكلمة للأستاذ برهان بخاري الذي أشار إلى إشكالية التوغّل في التاريخ دون التعمّق والتأمّل في خلفيات أحداثه وأبعادها المختلفة وصولاً إلى منطقة مشتركة تجمع المتنوعين في الدين والمذهب والرؤى والأفكار وتعزز عبر ذلك أواصر التعايش في المجتمع .
وأشار الأستاذ بخاري إلى مضامين العدالة العلوية والتي اعتبرها الأساس في ثقافة أي عيش مشترك ، ثم أورد بعض الشواهد التي تعكس الرؤية الخاصة والفذة للإمام علي عليه السلام في ما يخصّ العدالة.
وختم كلمته متمنياً: ما أودّ الوصول إليه تحديداً أنه ليس المهمّ البحث في الرؤية الخاصة للإمام علي عليه السلام من مسألة ثقافة العيش المشترك, لكن المهمّ هو المقدار الذي اكتسبناه وتمثّلناه وتشرّبناه من تلك الثقافة , والذي سيعطينا شرف أن نكون من تلاميذه النجباء ومن مريديه الأوفياء .
ثم ألقى الأستاذ سهيل عروسي رئيس اتحاد الكتاب في الحسكة كلمته التي استهلها بقوله: زمن صعب هذا الذي نعيش فيه اليوم , صعب بكلّ المعاني والمقاييس ، وحسناً فعل مركز الفردوس للثقافة والإعلام حين دعانا لاستحضار قيم ومنطق وأخلاقيات الإمام علي بن أبي طالب ، وهو بلا شك من القلّة القليلة التي ينبغي العودة إليها عندما تمرّ الأوطان والشعوب بحالات الوهن والضعف في كلّ المستويات والعناوين كما هو الوضع الآن . وإني كمسيحي مشرقي يعتزّ أيّما اعتزاز بكل القيم التي أنبتتها هذه الأرض المقدسة لا يرى الإنسان إلا كما رآه الإمام علي بن أبي طالب إنه : إما أخ له في الدين أو نظير له في الخلق ، يرى بنفس الوقت : إننا وكما جاء في رسالة بطاركة الشرق الأول ( آب 1981) إننا مسيحيون ومسلمون :
- ننهل من تراث حضاري واحد نتقاسمه وقد أسهم كلّ منا في صياغته انطلاقا من عبقريته الخاصة .
- أن قرابتنا الحضارية هي إرثنا التاريخي الذي نصر على المحافظة عليه وتطويره وتجذيره وتفعيله كي يكون أساس عيشنا المشترك وتعاوننا الأخوي.
- إن المسيحيين في الشرق هم جزء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسلمين , كما أن المسلمين في الشرق جزء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسيحيين.
ومن هذا المنطلق فنحن مسؤولون بعضنا عن بعض أمام الله والتاريخ , ولذا يتحتم علينا أن نبحث بشكل مستمر عن صيغة لا للتعايش وحسب بل للتواصل الخلاّق والمثمر الذي يضمن الاستقرار والأمان لكلّ مؤمن بالله في أوطاننا بعيداً عن آلية الحقد والتعصب والفئوية ورفض الآخر .

وأضاف: الحوارهو ضرورة وفضيلة في آن واحد , ضرورة من حيث التواصل الإنساني , وفضيلة من حيث الاعتراف بالآخر, وهو يعكس مظاهر التنوع الإنساني وتعدد ظواهره من جهة , وقدرة وعظمة الله من جهة أخرى .
وقال الأستاذ عروسي: لقد كان الإمام علي رجل الحوار دون تمييز بين عدو وصديق فلقد كان لعلي أعداء كثيرون في مسيرة حياته السياسية ولكنه لم يوقف الحوار مع أي منهم. فلقد اختلف مع معاوية , إلا أن القارئ لنهج البلاغة سيجد أن الحوار مع معاوية قد احتلّ مساحة واسعة في الكتاب .
وأستطيع القول أن مجمل صفات ومناقب الإمام قد احتوتها رسالته الشهيرة إلى مالك النخعي والتي يمكن اعتبارها بحق المرتكز الفلسفي والأخلاقي لأية سلطة وحاكم والتي لم تأخذ الاهتمام المطلوب لدى أصحاب الشأن وأولى الأمرلاعتبارات تنم عن جهل أو قصر نظر فهذه الرسالة – النهج والمنهج – يفترض بأي حاكم عربي على الأقل تسطيرها بماء الذهب لتكون أمام مرأى عينيه ينهل منها مقومات السلطة العادلة والحكم الرشيد , وأن تقوم المؤسسات الثقافية بطباعتها وتيسير توزيعها على الناشئة لتكون لهم عوناً وسنداً في مواجهة الصعاب .
يظهر علي في هذه الرسالة كأب للجميع دون تمييز بين مسلم وغير مسلم فالرعية واحدة وعلى الوالي أن يكون رحيماً للرعية لطيفا بها , فلا يكونن عليهم سبعاً ضارياً فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق , وقد جسد الإمام هذا القول في تصرفاته السياسية تجاه أهل الذمة حيث يقول :
– إنما قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا.
- أن دية اليهودي والنصراني كمثل دية المسلم.
كما حافظ علي على كرامات أهل الذمة فمنع تعذيبهم أو ضربهم لمجرد تحصيل المال منهم فقد كان يقول لعماله :
ولا تضربن أحدا سوطا لمكان درهم .
وأضاف: إن المسيحية والإسلام طريقان متنوعان يقودان كلاهما إلى الله الواحد : فلننطلق من قاعدة نتفاهم حول ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا عليه , ومن المسائل العملية التي ينبغي التركيز عليها :
التعاون من أجل إقرار المبادئ والتعاليم الدينية المشتركة التي تحث على احترام الحياة الإنسانية وعلى مراعاة حرمة الإنسان,
والسعي في الأرض من أجل الخير والأمن والسلام ,. ومحاربة الإلحاد والرذيلة والفساد والظلم والطغيان , ودعوة الناس إلى قيم المحبة والتسامح والإخاء الإنساني . وهذه المسائل كلها قد تضمنتها مقاصد الشريعة الخمسة لحماية الحياة – حماية العقل – حماية الدين – حماية الملكية – حماية الأسرة .
وبعده ألقى د. علاء الدين زعتري كلمته التي ابتدأها قائلاً: الإمام علي كرّم الله وجهه آية الحق , وراية الهدى , ومصباح الدجى .وهو من كملت فيه الفضائل , ولم يشك في سابقته الأواخر ولا الأوائل ، وهو قدوة المتقين , وزينة العارفين ، طيّب الأخلاق وكريم الأعراق، سما في القلوب محبة ، وعلا في النفوس مهابة.
وقال: يتزايد الاهتمام في الآونة الأخيرة بضرورة إيجاد السبل لتعايش الهويات الثقافية المختلفة المشارب لجهة خلق مناخ عالمي بالتقارب بين الشعوب , وإنقاذ البشرية من الضياع والانزلاق في مهاوي الأزمات الاجتماعية والغرق في دوامة القلق النفسي , وانعدام الأمن, وتفشي الجرائم والتفسخ الأخلاقي , وإذكاء الصراعات العرقية والدينية .
وأضاف: إن التعايش بين الناس مبدأ أصيل من منبع القرآن الكريم والسنة النبوية , ويعبّر عن حاجة إنسانية ملحة تفرضها سنة التدافع الحضاري وحالة الصراع القائم , وإذا كان التراث الحضاري الإسلامي يزخر بنماذج من الأفكار والدعوات لبناء حوار الحضارات فإنا نقف اليوم مع أروع المرويات عن آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص المعاملات الاجتماعية قوله : «صلاح شأن الناس : التعايش والتعاشر».
وأضاف قائلاً: إن القراءة التاريخية للأمم والشعوب التي بنت حضارات رائعة تعطي نتيجة واضحة , هي : إن الأمم تقدّمت وتطوّرت وارتقت سلّم الحضارة هي تلك التي استطاعت أن تعيش حالة التجانس والتعايش والتفاهم بين مختلف الفئات والقوميات والطوائف والأديان وفي مختلف جوانبها النفسية والاجتماعية والسياسية . والأمة الإسلامية التي أنشأها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاهد حي لازال يزخر بنماذجه الرائعة . أما الأمم التي غرقت في صراعاتها وخلافاتها السلبية فقد تحولت إلى فتات مهمّش لا يقوى على تجميع أجزائه , وكم سقطت أمم عن عليائها نتيجة للتعصب والتمرّد ضد الآخرين بحيث تحولت حياتها إلى جحيم ملتهب لعدم قدرتها على التفاهم والتعايش .
وقال الشيخ د. زعتري: إن قدرة أي أمة في تحقيق قوتها ورقيها هو في قدرتها على استيعاب الآخرين وضمهم في مسيرتها وتحقيق الوفاق الجماعي الشامل .. وقوله تعالى: «يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِير» ( الحجرات : 13).
فالآية الكريمة هي الأساس في فقه التعارف , وتؤكد عدة مسائل منها :
• تأكيد واقعية الخصوصيات الإنسانية والقومية والعرقية والجغرافية التي لا يمكن إلغاؤها .
• يشجع الإسلام على تحريك الخصوصيات بوجهها الايجابي , عبر التفاعل عاطفيا وعمليا مع من يشاركونه تلك الخصوصيات . بشرط أن لا تتحول تلك المشاركة إلى عقدة عصبية تأخذ ميلا عدوانيا تجاه الآخرين .
ولعل أبلغ تعبير عن هذه الفكرة , ما ورد في الحديث عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام حول العصبية وحيث قال : «
إن العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين , وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه , ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم».
وفي تبعات إنكار الآخر قال فضيلته : قد تنشأ من رفض الآخر تبعات آثار تبرز بشكل مميز في حياتنا يمكن قراءتها على هذا الشكل:
أولاً: التواصل السلبي مع الآخر: يتقدم الفرد وتنمو المجتمعات بنمو تواصلها الايجابي , ولكن مع فقدان التواصل الايجابي والحوارالمتفاهم لغة التبادل إلى لغة سلبية قائمة على التصادم والشك والتلقي الثقافي السيئ .
ثانياً: عدم فهم المتغيرات المحيطة :مع وجود الشك في الآخر وعدم التواصل معه يصبح من العسير التجانس مع المتغيرات والتطورات , وهذا يقود لوجود تأثيرات سلبية متزايدة لأننا سنكون تحت قبضة عالم متنام لا نعرف ماذا يجري حوله . ومع عدم القدرة على استيعاب المتغيرات الحتمية التي تهب علينا نصبح أسرى لمسيرة القدر وقوة سلطان الآخرين .
ثالثاً: الانحراف نتيجة تراكم الأفكار السلبية : لقد أثبت الواقع أن أغلب الانحرافات العقائدية والأخلاقية تنشأ في الأجواء المنغلقة والاستبدادية, لأن عدم التواصل المستمر يلغي حركة الحوار والتخاطب البناء في المجتمع مما يساهم في ترسيخ الأفكارالسلبية ونموالأفكار الضالة التي تنشأ في الأذهان لشبهات بسيطة لم تجد جوابا ونقاشا من الآخرين .
رابعاً: تسلط الجمود والركود وموت الإبداع والفاعلية : فبالتنافس يحي الإنسان ويتحرك ويبدع وينمو, وأغلب الحضارات والإبداعات ظهرت عندما واجهت تحديات وتواصلت بشكل إيجابي مع الآخرين لأن إبداع الآخر يستثير ويحرك روح التنافس .
والآية القرآنية أفادت بهذا المعنى : «
لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَلَـَكِن لّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىَ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ»( المائدة /48).
خامساً: فناء الجماعات : إن النتيجة الأساسية لموت الإبداع والتفاعل هو فناء الجماعات المنغلقة , لأنها بانغلاقها تفتقد مقومات البقاء والاستمرارية , وإن التراث الايجابي الذي خلفته الحضارة الإسلامية لازال يرفد الأمة بالحيوية والمثل والقيم , أما الصيحات الفارغة كالخوارج مثلاً وغيرهم فقد اندثرت إلا ما بقي منهم كأمثولة يستدل بها على جهلهم وسطحيتهم .
سادساً: سلطان العنف : العنف يستخدمه البعض عندما لا يستطيع أن يستجيب لمتطلبات التواصل والحوار
وقال فضيلته مستعرضا سبل التواصل مع الآخر قال :
لكي نتواصل لا بد من :
1- التأكيد على القواسم المشتركة التي تقرب النفوس والأفكار وإغفال التقاطعات التي تبعد وتقطع الاتصال .
2- إيجاد روح التعاون والتعايش في النفوس عبر تنمية الروح الجماعية في الفرد وإخراجه من القوقعة التي تحدد فكره وسلوكه .
3- الرأي الآخر ينمي إمكانية الإنسان الفكرية والثقافية , فإذا توسع الإنسان صدره أعطى مساحات واسعة لعقله في استيعاب الفكر الآخر فإنه يكون قادرا على التواصل الايجابي المثمر .
4- القبول بمبدأ الخطأ وأن كل واحد لا يمتلك الحقيقة لوحده .
إن أخطر أخطاء الإنسان أنه يلبس أفكاره بالعصمة والحقيقة الكاملة , ويلغي أفكار الآخرين ويعتبرها خطأ مهما كانت الاستدلالات وهذا يبعد المسافات ويقطع التواصل ويرسخ الانعزال في الجزر النفسية .
وقد وردت روايات شريفة في هذا توجه الإنسان للاستفادة من رأي الآخر والتقارب معا نحو الحقيقة , فعن أمير المؤمنين كرّم الله وجهه: «
ليكن آثر الناس عندك من أهدى إليك عيبك وأعانك على نفسك».
وعنه كرّم الله وجهه:«
أفضل الناس رأيا من لا يستغني عن رأي مستشير».
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «
المؤمن مرآة المؤمن».
وعن الإمام الحسن بن علي عليه السلام: «
الرجل ثلاثة : رجلٌ رجل , ورجل نصف رجل , ورجل لا رجل , فالرجل الذي هو رجل من كان ذا عقل واستشار ذوي العقول , والرجل الذي هو نصف الرجل من كان ذا عقل واستبد بعقله , والذي هو لا رجل من لم يكن ذا عقل ولم يستشر ذوي العقول».

ثم أنشد الشاعر الدكتور محمد رضا رجب قصيدة رائعة مطلعها :

 

منك استمدَّ الحبَّ كلُّ مٌتيم وإليكَ أسرارُ الحقيقيةِ تنتمي
وبكَ استعانَ ليطمئنَّ مُروعٌ بأثامهِ فشفعتَ للمتأثِّم
حبُّ سما بالنَّفس حتَّى حلَّقت بجناحها النُّوريِّ فوقَ الأنجم
وأخوةٌ تسعُ الوجودَ وما حوى وتُضيءَ أعماقَ الزَّمان المُظلِم

 

وختم قصيدته بالأبيات التالية :

لن تصلحَ الدُنيا إذا أبناؤُها لم يقرؤَوك بدقةٍ وتفهُّم
فإذا الغنيُّ يرى الفقيرَ نظيرهُ وإذا السَّعيد يرقُّ للمتألَّم
واذا البعيد يكونُ اقربَ من أخٍ وإذا الفؤادُ يكونُ أفصحَ من فمِ
وإذا التِّراثُ من الوجودِ قد امَّحتْ وأبلَّ داءُ العالَمِ المتأزَّم
وإذا الحنيفَة ُوحَّدت أبناءَها فالتمّ َشملُ القوم بعد تشرذُمِ
يا حُجَّة اللهِ العظيمِ على الورى النَّاس قد خفروا الحقيقةَّ فاقدَمِ

 

وبعد أداء الحضور صلاتي المغرب والعشاء أكمل الحفل وختم بكلمة سماحة الخطيب الشيخ عبد الحميد المهاجر حفظه الله الذي أكّد فيها على عمق شخصية علي سلام الله عليه وآفاقها المنفتحة والواسعة الأرجاء والتي يذعن كلّ انسان حرّ وكريم إلى الانبهار بها والانشداد إليها بكل جوارحه وقلبه وروحه.
كما أشار سماحة الشيخ المهاجر إلى الفرق بين التنافس المحمود والتصارع المذموم حيث إن التنافس يكون بين إنسان وآخر أو بين مجموعة وأخرى في المجالات الصالحة والتي تنفع من يقوم بها وغيره , بينما يكون التصارع بدوافع نزوات أوحماقات أوشهوات تحكمها المصالح الضيّقة التي لاتهتم بغير نفس صاحبها وإن احترق العالم بأكمله .
واستعرض سماحة الشيخ المهاجر قصّة المولد الكريم للإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه وما تضمّنته من معاجز وكرامات تدلّ بوضوح على علاقة ذلك المولود المنتظر ومذ كان جنيناً في بطن أمّه بالسماء .
ودعا الشيخ المهاجر في كلمته إلى التأمّل في مواقف علي سلام الله عليه لا لغرض الاستئناس بتلك المواقف الفريدة والنادرة والعظيمة وإنما لغرض الفهم والوعي بتلك الشخصية وبعد ذلك حسن الاقتداء بها والانضباط بتوجيهاتها وإرشاداتها لأنها توجيهات وإرشادات لن يكون مصير من تمسّك بها إلا سعادة في الدنيا وفوز كبير وحسن مآل في الآخرة والعكس بالعكس وهذا ما يلفت عقولنا وأذهاننا وقلوبنا إلى عظمة تلك التوجيهات والإرشادات وخطرها وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.


1/ نشرنا النص الکامل للکلمة علی الموقع فی 15 رجب الاصب.