سماحة السيد دام ظله: السعادة في الدنيا والآخرة من ثمرات عمل الخير

قام جمع من الإخوة والأخوات القادمين من السعودية بزيارة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة. وبعد أن رحّب بهم سماحته ألقى كلمة قيّمة استهلها بالآية الشريفة: « الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب». (1)
وقال: أي عمل صالح يصدر من المؤمن ستكون له ثمرات ونتائج إيجابية بمقدار وبحجم العمل الذي قام به، بل أكثر وأكثر وربما أضعاف. بعبارة العمل الصالح هي تجارة ذات أرباح مضاعفة ولا خسارة فيها مطلقاً. كذلك عمل السوء له مردودات سلبية بمقدار ما كان فيه من سوء بل أكثر وأكثر أيضاً.
وضرب سماحته على ذلك مثالاً بالرواية التالية:
روي عن أبي الصلت الهروي ، عن أبي الحسن الرضا سلام الله عليه ، قال: قال أبي موسى بن جعفر سلام الله عليهما لعلي بن أبي حمزة مبتدئاً: تلقى رجلاً من أهل المغرب ، يسألك عنّي ، فقل له: هو الإمام الذي قال لنا به أبو عبد الله الصادق سلام الله عليه ، فإذا سألك عن الحلال والحرام فأجبه ، قال: فما علامته؟ قال: رجل جسيم ، طويل ، اسمه يعقوب بن يزيد ، وهو رائد قومه ، وإن أراد الدخول إليّ فأحضره عندي.
قال علي بن أبي حمزة: فو الله إني لفي الطواف إذ أقبل رجل طويل جسيم فقال لي: أريد أن أسألك عن صاحبك ، قلت: عن أيّ الأصحاب؟ قال: عن موسى بن جعفر سلام الله عليهما. قلت: فما اسمك ؟ قال: يعقوب بن يزيد. قلت: من أين أنت؟ قال: من المغرب. قلت: من أين عرفتني؟ قال: أتاني آت في منامي ، فقال لي: الق علي بن أبي حمزة ، فسله عن جميع ما تحتاج إليه ، فسألت عنك فدللت عليك. قلت: اقعد في هذا الموضع حتى أفرغ من طوافي وأعود إليك. فطفت ثم أتيته فكلّمته فرأيت رجلاً عاقلاً فهماً ، فالتمس منّي الوصول إلى موسى بن جعفر سلام الله عليهما ، فأوصلته إليه.
فلما رآه قال( الإمام الكاظم سلام الله عليه): يا يعقوب بن يزيد! قدمت أمس ووقع بينك وبين أخيك خصومة ، في موضع كذا حتى تشاتمتما ، وليس هذا من ديني ، ولا من دين آبائي ، فلا نأمر بهذا أحداً من شيعتنا ، فاتق الله ، فإنكما ستفترقان عن قريب بموت. فأما أخوك فيموت في سفرته هذه قبل أن يصل إلى أهله ، وتندم أنت على ما كان منك إليه ، فإنكما تقاطعتما وتدابرتما ، فقطع الله عليكما أعماركما.
فقال الرجل : يا ابن رسول الله ! فأنا متى يكون أجلي؟ قال: قد كان حضر أجلك فوصلت عمّتك بما وصلتها ، في منزل كذا وكذا ، فنسأ الله تعالى في أجلك عشرين حجّة.
قال علي بن أبي حمزة: فلقيت الرجل من قابل بمكّة فأخبرني أن أخاه توفي ودفنه في الطريق قبل أن يصير إلى أهله
. (2)
فقال سماحته: كل ما يراه المرء في حياته الدنيا والآخرة من خير أو شر فمصدره هو بنفسه. فالإنسان بلسانه يحصل على الخير أو الشر. وكذلك بماله يجلب لنفسه الخير أو الشر. وهكذا بجوارحه الأُخر يكسب الخير أو الشر.
وأضاف: فحريّ بالمؤمن أن يقدم دوماً على عمل الخير لأنه لا يدري أي عمل خير يكون سبباً لسعادته في الدنيا والآخرة. كما عليه أن يكون مواظباً في عدم صدور الشر منه، لأنه أيضاً لا يدري أي شر وأي عمل سّيىء يكون سبباً في تكالب المشاكل والمصاعب عليه وتعاسته في الدنيا وبالنتيجة الخسران في الآخرة والعياذ بالله.
وفي هذا الصدد يقول الإمام الصادق سلام الله عليه:
«
مَنْ هَمَّ بِخَيْرٍ فَلْيُعَجِّلْهُ وَلا يُؤَخِّرْهُ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ رُبَّمَا عَمِلَ الْعَمَلَ فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: قَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَلا أَكْتُبُ عَلَيْكَ شَيْئاً أَبَداً ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلا يَعْمَلْهَا فَإِنَّهُ رُبَّمَا عَمِلَ الْعَبْدُ السَّيِّئَةَ فَيَرَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَيَقُولُ: لا وَعِزَّتِي وَجَلالِي لا أَغْفِرُ لَكَ بَعْدَهَا أَبَداً».(3)
وعَنْ الإمام عَلِيٍّ سلام الله عليه قَالَ: «
إِنَّ اللَّهَ أَخْفَى أَرْبَعَةً فِي أَرْبَعَةٍ: أَخْفَى رِضَاهُ فِي طَاعَتِهِ فَلا تَسْتَصْغِرَنَّ شَيْئاً مِنْ طَاعَتِهِ فَرُبَّمَا وَافَقَ رِضَاهُ وَأَنْتَ لا تَعْلَمُ ، وَأَخْفَى سَخَطَهُ فِي مَعْصِيَتِهِ فَلا تَسْتَصْغِرَنَّ شَيْئاً مِنْ مَعْصِيَتِهِ فَرُبَّمَا وَافَقَ سَخَطُهُ وَأَنْتَ لا تَعْلَمُ ...». (4)
وأكد دام ظله: إذن ينبغي للمؤمن أن يغتنم مواقف الخير ولا يدعها تفوته، سواء بلسانه أو بماله أو بتشجيعه للآخرين على عمل الخير. وليكن دائماً ممن يقضي حوائج الناس حتى يكون إن شاء الله تعالى من الذين وعدهم الباري تعالى بطوبى لهم وحسن مآب في الدنيا والآخرة.


(1) / سورة الرعد، الآية 29.
(2)/ الخرائج والجرائح / للراوندي / ج1 / الباب الثامن في معجزات الإمام موسى بن جعفر سلام الله عليهما / ص307 .
(3)/ اصول الكافي / ج2 / باب تعجيل فعل الخير / ص142 /ح6.
(4)/ وسائل الشيعة / ج1 / باب28 عدم جواز استقلال شيء من العبادة والعمل و.../ ص116 / ح291.