مركز التثقيف الإسلامي في لندن يقيم مؤتمره السنوي الثاني

 تحت شعار (النهوض الشيعي المعاصر .. دراسة وتقييم)


تحت شعار (النهوض الشيعي المعاصر .. دراسة وتقييم) اُقيم بلندن ـ العاصمة البريطانية ـ في التاسع عشر من حزيران – يونيو، 13 جمادى الأولى 1426 للهجرة، في قاعة حسينية الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، وفي فترتين صباحية ومسائية، المؤتمر السنوي الثاني برعاية مركز التثقيف الإسلامي، حضره لفيف من المثقفين والأكاديميين والإعلاميين من العراق والسعودية والبحرين وايران، وبريطانيا وجنسيات اُخر.

 

السيد جعفر الشيرازي: دور المرجعية في رعاية الشيعة

افتتح المؤتمر بآي الذكر الحكيم تلاها السيد علي النواب، أعقبتها ورقة فضيلة السيد جعفر الشيرازي دام عزّه نجل المرجع الراحل قدّس سره الشريف التي حملت عنوان (دور المرجعية في رعاية الشيعة) قدّم لها بمقدمتين؛ أشار في الأولى إلى حملات الإبادة التي تعرّض لها شيعة أهل البيت سلام الله عليهم بدءاً من تصفية الأئمة الأطهار وأصحابهم، إلى المقابر الجماعية عبر التاريخ، حيث كان آخرها المقابر الجماعية في العراق، لكنه رغم كل مالاقاه شيعة النبيّ محمد وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليه أجمعين فإنهم دائماً أقوى من السابق، بفضل عوامل كثيرة أهمها وجود المرجعية الدينية التي تشكل كهفاً للمسلمين. وأشار الشيرازي في المقدمة الثانية إلى إن نظام الوكالة من الأئمة سلام الله عليهم إلى المرجعيات الدينية هو نظام متكامل يحمل معه مقوّمات القوة والديمومة، لكنه بحاجة إلى تطوير ومأسسته لمواكبة التطورات بلحاظ إن عالم اليوم هو عالم التكتلات والتنسيق.

ورأى الشيرازي: إن العصر الذي يعيشه الشيعة الإمامية اليوم هو عصر مفصلي، برز معه الجانب الفكري والفقهي والسياسي والاعلامي، وللشأن العراقي دور غير قليل في إبراز الجانب السياسي من فقه الشيعة الإمامية، وأكد: إن التشيّع في العراق له قابلية الانتشار والتمدّد في المجتمعات الناطقة بالعربية، لغياب حاجز اللغة، وهذا ما يساعد المسلمين على تفهّم فكر أهل البيت سلام الله عليهم ، وقراءته من جديد قراءة متأنية، وبعيداً عن التعصّب الأعمى.

وأشار في جانب آخر من ورقته إلى: إن ممارسات الأنظمة على طول التاريخ ضد الشيعة الإمامية ساهمت في إثراء فكر وثقافة المعارضة وتبلوره، بيد أنه يمكن أن يكون للمرجعية الدور الكبير في بلورة فكر وفقه السلطة، وبيان الجانب الفقهي في المفردات السياسية، كما إنها تشكّل خيمة لكل القوى المتناثرة وخلق ثقافة التعايش، كما هي بحاجة إلى جهاز إعلامي واسع ومتشعّب لعرض أفكار ومباني التشيّع المنسجمة مع الفطرة السليمة.

 

السيد الميلاني: الشيعة ضحية الإرهاب

الورقة الثانية تقدّم بها سماحة الدكتور السيد فاضل الحسيني الميلاني، عميد كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية بلندن وهي بعنوان (الشيعة ضحية الإرهاب)، تعرّض في البداية إلى نصوص لأئمة أهل البيت سلام الله عليهم، تقرأ من بين ثنايا حروفها البلاء الذي حلّ بهم سلام الله عليهم وبشيعتهم، حتى وصل الحال إن الرجل ليقال له زنديق أو كافر خير له من أن يقال له شيعي!

وأشار الميلاني إلى بدايات الصراع في عصر الإسلام الأول وقال:

 إنه بدأ صراعاً على السلطة ليأخذ هذا الصراع فيما بعد طابعاً عقائدياً ومذهبياً، وأشار في الورقة المقدّمة إلى نماذج من أصحاب الأئمة ممن تعرّض للاضطهاد والاستشهاد كحجر بن عدي وميثم التمار وعمرو بن الحمق الخزاعي وعمار بن ياسر، كما أشار إلى نماذج من قادة التشيع الذين استشهدوا تحت حراب فتوى الطائفيين التكفيريين، كالشهيد الأول الذي قُتِل وصُلِب ورُجِم واُحرق، والشهيد الثاني الذي اتّهم بالبدعة والخروج على المذاهب الأربعة، والشهيد القاضي نور الدين التستري، وقد اشتهر في التاريخ إن (البلاء للولاء) فصار الولاء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته سلام الله عليهم سبباً للبلاء والإفتاء بالضدّ من قادة الشيعة الإمامية، حتى تعرّض منبر الشيخ الطوسي في بغداد للحرق (قبل ألف عام) وأعدم النظام البائد الصدر الأول واخته الشهيدة بنت الهدى، واغتال السيد حسن الشيرازي في بيروت، والسيد مهدي الحكيم في السودان، واغتال الشيخين البروجردي والغروي والصدر الثاني في النجف الأشرف، وأعدم الكوكبة الأولى من قادة حزب الدعوة الإسلامية، وأعدم السادة من آل الحكيم وبحر العلوم، وغيرهم من الشهداء.

ونوّه الميلاني إلى إن الشيعة متهمون بممارسة التقية في حين إن الذي يمارسها دفعاً لمن يريد الفتك به وقتله قلّة، ومثال ذلك أحداث اللطيفية في العراق حيث يفضّل المسلم الشيعي الموت ذبحاً على التنازل عن الولاء لأهل البيت سلام الله عليهم وللمرجعية الدينية. وشدّد على إن الشيعة تركوا تراثاً كبيراً لا يضاهى، وتمثّل بموسوعة (أعيان الشيعة) للسيد محسن الأمين في 57 مجلداً ، التي ضمت فطاحل الشيعة على مرّ التاريخ ، ممن أغنوا الإسلام والإنسانية بفكرهم، وموسوعة (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) للشيخ أقا بزرك الطهراني، التي ضمّت مئات الآلآف من مؤلّفات الشيعة الإمامية في حقول شتى. وهذا دليل على حجم العطاء الشيعي.

وأشار إلى استقلالية المرجعية الدينة عن السلطة كعامل قوة، وقدرة الشيعة على الوقوف عند المحن والملمات وصلابتهم في المصائب نظراً لانتساب الشيعة إلى كربلاء ونهضة الإمام الحسين سلام الله عليه التي لا يذلّ من ينتسب إليها.

 

الدكتور الحسيني: الشيعة وتجربة الحكم في العراق

أما الورقة الثالثة فقد تقدّم بها الناشط السياسي والاجتماعي الدكتور علاء الحسيني، وافتتح بها الجلسة المسائية، ودارت حول (الشيعة وتجربة الحكم في العراق) أشار في بدايتها إلى خصوصيات شيعة العراق من أصالة الانتماء بوصفهم أقدم وأصلب من تمسّك برسالة الإسلام، وقد اختار الإمام علي سلام الله عليه الكوفة عاصمة له، وستعود عاصمة لدولة الذمام المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف، إلى جانب استقلالية التفكير، إذ كانت الكوفة وسواد العراق مجالاً لتلاقح الحضارات التي سبقت الإسلام، ثم بزوغ شمس الإسلام ما ساهم في خلق العقلية العراقية وصقل شخصية المواطن العراقي الشيعي. ومن الخصوصيات حالة المظلومية التي اتصف بها شيعة العراق على أيدي السلطات الحاكمة لعقود طويلة، كما إن العراق يتميز بتنوّع حركاته الإسلامية والفكرية والسياسية، وهو دلالة على غزارة الفكر الإسلامي الشيعي. والصفة البارزة في شيعة العراق هو عمق انتمائهم الوطني والعربي وانتمائهم إلى سيد العرب بعد الرسول محمد صلى الله عليه وآله وهو الإمام علي سلام الله عليه، وهذا ما يدحض أكذوبة المرجفين الذين يرمون شيعة العراق بالتشيّع الصفوي الحديث العهد.

وتطرّق الدكتور الحسيني في جانب آخر من ورقته إلى التحديات التي تواجه الأغلبية السكانية، ومنها تحدي الاحتلال واستحقاقاته وإفرازاته، فالظرف الدولي فرض على شيعة العراق أن لا يستعملوا السلاح بوجه المحتل، ولذلك فإن عليهم تحدي الموازنة بين تحقيق مكتسبات الشعب العراقي وأهداف الاحتلال في العراق. ومن التحديات إن النظام البائد خلق وضعاً طائفياً وقومياً مرتبكاً، وعلى قادة الشيعة التعامل مع هذا الوضع بحكمة وروية، كما إن تعرّض قادة الشيعة ووكلاء مراجع التقليد ذلى مسلسل الاغتيالات الجسدية يعزز من أهمية التعامل مع هذه المعضلة بنفس طويل مع حزم وقوة.

وختم المحاضر ورقته بالإشارة إلى الهوة الماثلة بين شيعة العراق في الداخل وأولئك الذين شرّد بهم النظام البائد في المنافي، ووجد إن سلامة العراق وقوته ومنعته تكمن في سدّ هذه الهوة ونصرة العراقي لأخيه العراقي، حتى يقف العراق على قدميه وقفة أبي الفضل العباس في نصرته لأخيه الإمام الحسين سلام الله عليهما.

 

السيد الموسوي: النهضة الفكرية في الواقع الشيعي

الورقة الرابعة والأخيرة تقدّم بها أمين عام رابطة أهل البيت سلام الله عليهم العالمية، السيد محمد الموسوي، حملت عنوان (النهضة الفكرية في الواقع الشيعي)، ذهب فيها إلى: إن الأطروحة الإسلامية الشيعية هي الأطروحة الأمثل لنهضة الإنسانية التي جرّبت أطروحات مختلفة علمانية وأخرى رفعت الإسلام شعاراً دون أن تتمثّله قيماً، مشيراً إلى الفتنة التي خلقتها حكومة طالبان بين القوميات المختلفة وبين السنة والشيعة في أفغانستان حتى صار قتل الشيعي مدخلاً للعروج إلى الجنة وصار حرق طلبة العلوم الدينية وهم أحياء سنّة يتقرب بها الى الله!

وأشار في جانب آخر من ورقته إلى: إن مناقشة مفردة الإرهاب يتطلّب معرفة من أنشأ الإرهاب في بلداننا الاسلامية، ومن موّل المجموعات الإرهابية، ورأى إن الإرهاب في البلدان الإسلامية يعود في جذوره إلى المنهج التكفيري المموّل بالدولارات الأميركية، متهماً الغرب بأنه شريك دساسي في تنشئة جماعات الذرهاب والتكفير بسماحه لها دن تنشط وتكفّر الآخر دون رقيب. واليوم فإن قادة المؤسسات الفكرية في الغرب والشرق وهم في معرض المقارنة وتقييم تجارب البشرية في القرن الماضي وبداية القرن الحالي، أعلنوا تساقط كل الأطروحات ومنها الأطروحات الإسلامية المتعصّبة، ولذلك لم يبق أمام البشرية من خيار إلا خيار أهل البيت سلام الله عليهم، وفكرهم المتّصل بالرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله. وهذا يتطلّب تحمّل المسؤولية كاملة لإطلاع العالم على إسلام المحبّة والتسامح واحترام الآخر.

وشدّد الموسوي في ختام ورقته على أهمية الإعلام بوصفه يقف موقف الصدارة في عالم اليوم ولا يمكن لمن يريد أن ينشئ نهضة كبيرة يصل صداها للبشرية جمعاء أن يعمل بمنأى ومعزل عن الإعلام، وهو واحد من مصاديق «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة».

وفي ختام جلسات المؤتمر شدّد الخطيب الحسيني الشيخ كاظم الحائري بكلمة قصيرة على أهمية إقامة الندوات والمؤتمرات بوصفها عامل إثراء للمجتمعات المسلمة وأنها تأخذ بالأمة الإسلامية إلى مراتب الرفعة والرقي.

هذا وقد سبق افتتاح المؤتمر مؤتمراً خاصاً لأعضاء مركز التثقيف لبحث نشاطات المركز وشؤون الجالية العراقية في بريطانيا، حيث نوقش في تلك الجلسة محاور عديدة منها:

الأول: دور المراكز وتفعيلها.

الثاني: مركز الارتباطات.

الثالث: دور الخط السياسي والإعلامي للمرجعية.

الرابع: فلسفة مؤتمرات الإنقاذ في أوروبا. وقد شارك الحضور بمداخلاتهم وآرائهم البناء في تنضيج هذه المحاور.