سماحة السيد دام ظله خلال استقباله أساتذة وطلاب من إصفهان:
لا يمكن تحصيل علوم أهل البيت سلام الله عليهم إلا بالهمة ومخالفة الهوى

استقبل سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة جمعاً من المبلغين وأساتذة وطلبة العلوم الدينية من مدينة إصفهان وألقى فيهم كلمة قيمة تمنّى لهم في البدء الشمول بفضل الله تعالى ورعاية الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف وشفاعة كريمة أهل البيت السيدة فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر سلام الله عليهما وافتتح حديثه بتلاوة قول الله تعالى: «وأن ليس للإنسان إلا ماسعى، وأن سعيه سوف يرى».(1) ثم نقل لهم قصة عن أحوال المرحوم صاحب الجواهر، وقال: إن هذه القصة مذكورة في الكتب الرجالية ولكني سمعتها من شخص كان قد سمعها من أحد تلامذة صاحب الجواهر مباشرة.
وأضاف سماحته:
يقال إن المرحوم صاحب الجواهر كان يتلقى الدرس عنده مئات الطلاب وكان رحمه الله يشجّعهم على طرح أيّ إشكال أو نقد أو اقتراح يخطر على بالهم، في الدرس نفسه، لكي تختمر المطالب العلمية عن طريق النقاش والسجال العلمي.
وفي أحد أيام الصيف الحارة (في النجف الأشرف) وبعد أن ألقى الشيخ (صاحب الجواهر) الدرس وانتهى منه لم يتلقّ أي نقد أو إشكال أو استفهام من أي من الطلبة؛ فتوجّه إليهم وقال: ما الذي حدث اليوم؛ إنني لم أسمع اليوم أي نقد ولم يقل أي طالب شيئاً؟! هل كان تدريسي وحياً منزلاً؟!
قال الطلبة: الحقيقة إننا لم نستطع أن نطالع أمس بسبب كثرة البعوض وشدّة حرارة الجو ـ ولم يكن يومذاك مكيفات هواء أو مبرّدات ولا حتى مراوح ـ.
فالتفت صاحب الجواهر وقال: أجل كان البعوض أمس كثيراً ومهما عملت للتخلص منه ومن مضايقته لم أفلح، ولكن حيث إني كنت ملزماً بالمطالعة للتحضير لدرس هذا اليوم، لم يهدأ لي بال، وكانت عندنا غرفة في السطح مهجورة ومتخذة كالمخزن، فقمت بخلع كل ملابسي وائتزرت بمئزر وأخذت كتابي ومصباحاً وذهبت إلى تلك الغرفة وجلست للمطالعة، ولم أبال لأنواع الحشرات التي كانت موجودة هناك وكانت تمشي على بدني.
وقال سماحة المرجع: بمثل هذا بلغ صاحب الجواهر ما بلغ. ومن جد وجد ومن زرع حصد.
وأضاف سماحته: يجب على طالب العلم ـ إن أراد أن يوفّق ـ أن يسعى ويجد ويجتهد ويدرس جيداً إلى جانب تحلّيه بالإخلاص والتوجه إلى الله تعالى وأهل البيت عليهم السلام.
وقال سماحته:
لقد تتلمذ على المرحوم كاشف الغطاء الآلاف ولكن كم منهم بقي اسمه أو مؤلفاته؛ كما بقي اسم وذكر صاحب الجواهر.
وفي الختام أوصى سماحته الحاضرين بالسعي لنيل التوفيق وقال: ان طريق طلب علوم أهل البيت سلام الله عليهم جيد جداً ولكنه بحاجة إلى همّة أكبر وعزيمة مضافاً إلى التخلّي عن كثير من الأمور الأخرى التي تهواها النفوس عادة ـ حتى يتمكن الشخص من بلوغ المراحل العالية فيه.
من جانب آخر ألقى فضيلة السيد حسين الشيرازي حفظه الله نجل السيد المرجع دام ظله، كلمة في هذا الجمع جاء فيها:
في القرآن الكريم آية تعدّ أشدّ آية في مجال طلب العلم؛ يقول تعالى: «
ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور».(2)
ولقد عبّر عن النور في الروايات الشريفة بالعلم. وروي أنّه: «
ليس العلم بكثرة التعلّم وإنما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد».(3)
وقال فضيلته: إن موضوعة السعي التي وردت في قوله تعالى: «
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى» بحاجة إلى مكمّل في باب العلم؛ فحتى لو كان الإنسان علاّمة الدهر ولا يتوفر على ذلك المكمل المتمّم فهو غارق في الجهل ـ وذلك المكمّل المتمم هو النور الذي يمنحه الله سبحانه للإنسان.
وأضاف فضيلته:
إذا لم يكن هذا النور موجوداً فمهما تكن رؤية الإنسان دقيقة ولكنه مع ذلك لا يصير شيئاً؛ يقول الله تعالى: «
يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون».(4)
وأوضح فضيلته: إن الله تعالى جعل سبلاً في الدنيا يمكن تسميتها سبل الدنيا، كما أن هناك سبلاً بإزائها أسماها سبل الله؛ قال تعالى: «
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا».(5)
وعقّب: إن هذه الآية من الآيات القرآنية التي يصعب درك معناها جيداً. فقوله تعالى «سبلنا» جمع مضاف فهو يفيد العموم وفي قوله تعالى: «لنهدينهم» تأكيد باللام ونون التوكيد الثقيلة.
أما «الجهاد» في القرآن فيمكن القول إن معناه العام هو تحمّل المصاعب وهو أحد أبرز معاني الجهاد. ولئن كانت المشكلات موجودة في جميع أبعاد الحياة، فإن تحملها يعدّ جهاداً أيضاً.
وعندما يقرن الله تعالى في هذه الآية الكريمة بين الجهاد وتحصيل العلم (جاهدوا ـ لنهدينهم) فإن في ذلك إشارة إلى طريق الحصول على النور الإلهي، وهو بيت القصيد في الدنيا. أما الدراسة وحدها من دون الارتباط بالله تعالى فسيكون خطراً كبيراً وعاقبته خطيرة جداً كما حصل ذلك مع رأس الواقفية علي بن أبي حمزة البطائني. لقد كان هذا الرجل من أهم وكلاء الامام الكاظم سلام الله عليه وصحح كل علماء الاجماع رواياته، وما أكثر الذين اهتدوا على يديه إلى التشيع، ولكن ساءت عاقبته ـ مع الأسف ـ .
وهكذا بلعم بن باعورا السامري، الذي قال عنه الله تعالى صراحة في كتابه الكريم: «
فمثله كمثل الكلب».(6)
زعم السامري أنه ممثل الله تعالى ونائبه ولكنه عندما انحرف هكذا وصفه القرآن الكريم.
لو زنى شخص وبقي على عصيانه حتى مات فإن مصيره سيكون إلى النار، ولكن إن تاب قبلت توبته ـ كما تفيد الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ـ ولكن ماذا يفعل العالم المنحرف وقد أضلّ أناساً كثيرين ولذلك قال الله تعالى عن بلعم وكان من العلماء المنحرفين «فمثله كمثل الكلب».
وقال فضيلته:
ثمة روايات تتحدث عن عظمة أهل البيت،ومنها ماجاء في إحدى خطب الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه حيث قال: «
يخبركم حلمهم عن علمهم»،(7) وهذا يعني أن تحصيل العلم وحده ليس كافياً بل لابد من مكمّله وهو النور الذي يتفضل به الله تعالى على الانسان، وطريق تحصيله السعي في تحصيل رضا الله تعالى ورضاه تعالى في العمل الصالح والعبادة وأكبرها الجهاد ـ أي تحمل الصعاب في سبيله.


1 /سورة النجم ، الآية 39 و40.
2 /سورة النور ، الآية 40.
3 / منية المريد / ص 148.
4 / سورة الروم ، الآية 7.
5 / سورة العنكبوت ، الآية 69.
6 /سورة الأعراف ، الآية 176.
7 / نهج البلاغة / الخطبة 239/ ص 357.