سماحة السيد دام ظله خلال لقائه المعزين العراقيين

قضية الإمام الحسين عليه السلام استثنائية، كذلك أجر الخدمة في سبيلها

استقبل سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله عصر اليوم (الثلاثاء – الرابع والعشرين من شهر شوال المكرم 1425هجرية) رؤساء وممثلي الهيئات والمواكب الحسينية الوافدة من كربلاء المقدسة، لتقديم التعازي بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام الصادق سلام الله عليه (25 شوال) ،فألقى فيهم كلمة قيّمة جاء فيها:

وردت عبارة في إحدى زيارات الإمام الحسين سلام الله عليه وهي منسوبة للإمام الصادق سلام الله عليه والعبارة هي: «وضمّن الأرض ومن عليها دمك وثارك». والفاعل في هذه الجملة ضمير مستتر يعود إلى الله تعالى، كما يتضح من مراجعة الفقرة السابقة في الزيارة. ولكن قبل بيان معاني هذه العبارة الفريدة من نوعها والتي لم ترد بحق أي من المعصومين الآخرين، لابد من بيان مقدمة حاصلها: لقد كانت تضحية الإمام الحسين سلام الله عليه في سبيل الله تعالى استثنائية وفريدة من نوعها، ولذلك فقد كافأ الله تعالى الحسين سلام الله عليه مكافأة استثنائية وخصّه بأمور لم يخصّ بها حتى من هو اشرف منه وهم جدّه وأبوه وأمه وأخوه – كما قال سلام الله عليه: «جدي خير مني... ابي خير مني... أمي خير مني... أخي خير مني...».

ومن تلك العطاءات الاستثنائية التي خص الله تعالى بها الحسين سلام الله عليه أن جعل التربة التي استشهد فيها خير بقاع الأرض على الإطلاق، فحتى المكان الذي حلّ فيه لم يكن مثله مكان، وهكذا الزمان كما قال أخوه الإمام الحسن سلام الله عليه:« لا يوم كيومك يا أبا عبد الله».

وهكذا امتاز وتفرد في كل شيء.. ومن ذلك الثواب والأجر الفريد والاستثنائي الذي ادّخره الله تعالى لناصريه، وهكذا العقاب المتميز الذي أوعد عليه قاتليه وخاذليه. وهذان لا يختصان بمن عاصروه، بل يشملان حتى عصرنا. فمن يضع نفسه في خدمة الإمام الحسين سلام الله عليه ونصرة طريقه وتعظيم شعائره ومن يشجّع الآخرين على إقامة المواكب ومجالس العزاء عليه، فسيعامل معاملة استثنائية ويثاب ثواباً استثنائياً من الرب الجليل. وهكذا من يخذل الإمام الحسين سلام الله عليه ومجالسه وعزاءه ويحاربه ويحارب مواليه فسينال أشد العذاب في الآخرة بما لا يعذب به أحد.

بعد هذه المقدمة نأتي إلى العبارة التي صدّرنا بها الحديث فنقول: ومن جملة الاستثناءات التي خُصّ بها الإمام سيد الشهداء سلام الله عليه ما تعكسه هذه العبارة ونبدأ بشرح مفردتها أولاً.

يقول الإمام الصادق سلام الله عليه في هذه الزيارة: لقد ضمّن الله الأرض ومن عليها دمك وثارك.

أما الثار فواضح أي الانتقام للدم المسفوك.

أما ضمّن الأرض دمك: أي جعل دمك في ذمّتها فهي ضامنة ومسؤولة عن دم الحسين وعن الثأر له أيضاً.

والمقصود بمن عليها كل البشر منذ أن خلق الله آدم إلى يوم القيامة لأنهم كلهم يعيشون على الأرض.

فكيف يتصور أن تكون الأرض وهي جماد وكل من عليها ومنهم من لم يكن حاضراً في ذلك الزمان، بل ومنهم من ليس راضياً عن الفاجعة، يكون ضامناً لدم الإمام الحسين ومسؤولاً عن أخذ الثار له؟!

هذه العبارة حيّرت العلماء حتى ذكروا وجوهاً في تفسيرها ومنهم العلامة المجلسي حيث ذكر عدة وجوه لتوجيه معنى ضمان الأرض وانتقامها لدم الحسين ومسؤوليتها ومسؤولية كل من عليها عن ذلك الدم الطاهر أمام الله تعالى.

ولكن ما نستخلصه في المقام على أقل تقدير هو وجود ميزة تفرّد بها الإمام سلام الله عليه حتى أن الله تعالى ربط دمه سلام الله عليه بعالم التكوين فألقى مسؤوليته على الأرض كلّها وعلى كل من عليها.

فمسؤولية الأرض والجمادات مسألة تكوينية كما أن مسؤولية من جعل الله له العقل أو الشعور مسؤولية تشريعية، ولا شك أن الله تعالى لا يعاقب الذين لم يشتركوا في قتل الحسين سلام الله عليه أو لم يخذلوه بعد استشهاده ، فلابد من حمل العبارة على معنى لا يتنافى مع منطق العدل الإلهي، وهي أن كل إنسان مسؤول بنوع ما للدفاع عن الإمام الحسين وقضيته.

وخلص سماحته إلى القول: فإياك أن تشارك في خذلان الإمام الحسين وتقلل من شأن مجالس عزائه.

ثم ذكر سماحته استثناء آخر وهو استحباب زيارته سلام الله عليه حتى مع الخوف في حين ان من شروط الحج أن يكون الطريق آمناً وهو ما عبّروا عنه بخلوّ السرب.

[يقول عبد الله  بن بكير أحد أصحاب الإمام الصادق سلام الله عليه: قلت له( أي للإمام الصادق): إني أنزل الأرجان و قلبي ينازعني إلى قبر أبيك، فإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفاً من السلطان و السعاة و أصحاب المسالح؟ فقال: يا ابن بكير! أ ما تحبّ أن يراك الله فينا خائفاً؟ أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظله الله في ظل عرشه وكان محدّثه الحسين سلام الله عليه تحت العرش و آمنه الله من أفزاع يوم القيامة، يفزع الناس و لا يفزع فإن فزع وقرته (قوته) الملائكة و سكنت قلبه بالبشارة].[1]

وفي الختام أوصاهم سماحته بثلاث وصايا وهي:

الاخلاص، والاجتهاد في سبيل الإمام وقضيته والأخلاق، وقال: إن هذه الخصال موجودة فيكم إن شاء الله تعالى، ولكن ايذلوا من أجل المزيد واعلموا أن كل من أصابه العناء في طريق الإمام سلام الله عليه أكثر نال أجراً أعظم، واسعوا لئلا تكونوا خجلين أمام الحسين سلام الله عليه.

وبعد أن أنهى سماحته حديثه رددت الجموع العراقية الحاضرة في المجلس هتافات حماسية وهوسات عراقية في ذكر ملحمة عاشوراء ومصاب الإمام أبي عبد الله الحسين وأهل بيته وأصحابه سلام الله عليهم أجمعين.


[1] /كامل الزيارات /ص125/باب ثواب من زار الإمام الحسين سلام الله عليه.