لدى استقباله جمعاً من طلبة ومدرسي الحوزة العلمية في إصفهان

سماحة السيد دام ظله: عليكم بهداية الآخرين فإنه عمل الأنبياء

 

التقى جمع من الطلبة والمبلّغين ومدرّسي الحوزة العلمية في إصفهان بسماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة، واستمعوا إلى توجيهاته القيّمة حيث قال:

نحن ـ أهل العلم ـ نسلك طريقاً مهماً جداً لأنه طريق الأنبياء والأئمة سلام الله عليهم. ولو راجعنا التاريخ لرأينا أن أئمة أهل البيت سلام الله عليهم والعلماء المقتدين بهم امتازوا بثلاث خصال، وهذه الخصال مهمة جداً، كلما زادت نسبة اتصافنا بها ازددنا اقتراباً منهم سلام الله عليهم، ومن حظي بنسبة كبيرة منها سعد في الدنيا والآخرة.. يوم يلقى أمير المؤمنين سلام الله عليه عند الموت، ويوم يلقى الإمام الحسين سلام الله عليه في القبر، ويوم يلقى رسول الله صلى الله عليه وآله في القيامة. هذه الخصال الثلاث هي الاخلاص والاخلاق والاجتهاد.

فعن الإخلاص ضرب سماحته مثلاً بعالم كتب كتاباً عرف به أحد زملائه بعد مدة فاستعاره منه، فأعاره إياه، وبعد مدة سأله عنه فقال: ما زلت أستفيد منه، ثم سأله بعد فترة فقال: لقد ضاع. ثم التفت بعد ذلك أنه قد طبعه باسمه. يقول العالم الصاحب الأصلي للكتاب: ففرحت كثيراً لأن هذا الكتاب نشر ليستفيد منه الآخرون وإن لم ينشر باسمي، ولم يبح باسم زميله الذي نسب الكتاب إلى نفسه ولا إلى اسم الكتاب حتى وفاته. وهذا دليل على إخلاصه رحمه الله.

ثم ضرب سماحته مثلاً للأخلاق المرحوم السيد أبا الحسن الإصفهاني وقال: كان السيد أبو الحسن الاصفهاني قد حاز في أخريات أيام حياته على المرجعية العامة وقد طبقت شهرته الآفاق، وكانت أخباره تنقل بسرعة إلى سائر أنحاء العالم الإسلامي على ضعف وسائل الاتصال يومذاك قياساً بيومنا هذا.

في إحدى الليالي هاجمه شخص فجرحه في يديه ولاذ بالفرار فقام رحمه الله بتضميد جروحه بنفسه، وانتشر الخبر في كل مكان فأقبل العلماء والفضلاء والتجار والمسؤولون ووفود سياسية وشعبية من العراق وخارجه لعيادته، وكانوا جميعاً يطلبون منه أن يخبرهم عن الشخص الذي هاجمه، ولكنه لم يخبر بذلك حتى أيّاً من مقرّبيه خشية أن ينتشر الخبر، حتى توفي قدس سره، ولقد اشترك في تشييعه وإقامة العزاء عليه الشعب العراقي بكلّ طبقاته وأطيافه وأعراقه ومذاهبه، وما ذلك إلا لأخلاقه الرفيعة.

أما عن الجد والاجتهاد فضرب عنهما سماحته احدى قصص السيد الاصفهاني أيضاً مثلاً فقال:

نقل أحدُ المؤمنين عن أحوال السيّد أبي الحسن الإصفهاني أيّام مرجعيته، قال: كنت قد كتبت استفتاءً للسيّد ولم أشأ أن أُزاحمه لأخذ الجواب في الأوقات العادية حيث يكون مشغولاً إمّا بالتدريس أو اللقاءات العامّة والخاصّة في بيته الذي يغصّ بالوافدين، فقرّرت أن أذهب إليه قبيل صلاة الفجر؛ لعلمي أنّه يكون مستيقظاً آنئذ لأنّه كان يصلّي صلاة الصبح جماعة في روضة أمير المؤمنين سلام الله عليه، فذهبت قبل أذان الفجر بزهاء ساعة إلى بيته فرأيت المصباح مضاءً فطرقت الباب، وعندما خرج الخادم سألته فيما إذا كان السيّد مستيقظاً فأجاب بالإيجاب، فطلبت منه أن يخبر السيّد أنّ فلاناً وراء الباب، فمكثت هنيهة حتى عاد الخادم واصطحبني إلى داخل الدار، فرأيت السيّد والرسائل متناثرة بين يديه يجيب عليها، ففي بعضها استفتاءات، وفي بعضها الآخر حاجات يطلب أصحابها قضاءها.

فقلت للسيّد: أرسلت لكم منذ أيام رسالة أستفتيكم فيها عن مسائل.

فقلّب السيّد الرسائل حتى استخرج رسالتي ثمّ قال لي: عندما عدت إلى البيت كان بعض الأشخاص ـ كالعادة ـ ينتظروني لقضاء بعض الحاجات أو للإجابة على أسئلتهم، وبعد أن خرجوا رأيت أن أنتهي من الإجابة على هذه الرسائل قبل تناول العشاء، فبقي الطعام على الموقد الذي تراه أمامك على نار هادئة والرسائل لم تتمّ بعد، ومنها رسالتك هذه. ثمّ تناول رسالتي فأجاب عليها.

ثم ختم سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله حديثه بالقول: لا تنحصر مسؤوليتكم في هداية من حولكم، بل تقع عليكم مسؤولية هداية القريبين منكم والبعيدين عنكم، سواء في داخل البلاد وخارجها، ومن وفّق لجعل هذه الخصال الثلاث تتجلى فيه أكثر نال التوفيق والرفعة أكثر في الدنيا والآخرة.