بين يدي المرجع

مقتطفات من الكلمات التي أفاض بها سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله على بعض علماء وأفاضل الحوزة العلمية والخطباء والشخصيّات المعروفة في الوسط العلمي والثقافي في جلساته الليلية الرمضانية المباركة.

المبادرة إلى التبليغ والدعوة

قال الله سبحانه وتعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)

كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يمارسون مهمة التبليغ إلى الله تبارك اسمه دون أن توجه إليهم الدعوة من أحد... وهذا ما كان من شأن النبي المصطفى صلى الله عليه وآله، إذ كان يقصد مختلف الأماكن ليمارس مسؤوليته المقدسة بالدعوة إلى الإسلام، رغم تعرضه لأنواع الأذى من المشركين... الأمر الذي يدفعنا إلى الاقتداء بهذا السلوك النبوي الشريف... فلا يكون أمر من يريد التبليغ الامتناع عن قصده بداعي عدم تسلمه الدعوة إلى الذهاب، كما يحصل لبعضٍ أو لبعض الأفراد مع بالغ الأسف...

...ولا يزال يجول في ذاكرتي ما كان عليه الوضع في القرى المحيطة بمدينة كربلاء المقدسة قبل حوالي أربعين عاماً... إذ كانت بحاجة ماسّة إلى المبلّغين، فكان الأخ المرحوم قدس سره يشجّعهم للتوجّه إلى تلك القرى والمناطق النائية عن المدينة، رغم أن كثيراً من المبلّغين كانوا يجهلون تلكم الأماكن...

أما بالنسبة لي، حيث كنت أشاطر أغلبية المبلّغين في عدم معرفة المناطق التي يتوجب عليّ قصدها، فقد تراني أصل مضيفاً من المضائف لأسأل أهليها عما إذا كانوا بحاجة إلى مبلّغٍ وواعظ ديني، فكان منهم من يستقبلني، ومنهم من يعلن عن عدم حاجته للمبلّغ، لأنتقل إلى قرية أخرى وأناساً آخرين.

وذات يومٍ من أيام شهر رمضان المبارك، اتفقت مع صديق لي على التوجه إلى إحدى القرى لتنفيذ ما يتوجب علينا من مهام تبليغية، فووجهنا بعدم وجود سيارات الأجرة الصغيرة، فاضطررنا إلى تأجير حافلة لنقل الركاب لتقلّنا وحدنا. وحينما سألنا السائق عن قصدنا، أجبناه بأن يأخذنا إلى منطقة تحتاج إلى مبلّغ!

فسار بنا وسط البساتين، حتى وصل منطقة يغمرها الصمت والهدوء المخيف.. وفجأة طرق سمعنا صوت يأمرنا بالرجوع... مما أرعب السائق وسألنا عما يجب أن يفعل، فأمرنا بالانطلاق إلى الأمام.. وما هي إلا لحظة أو لحظات حتى أطلق الرصاص باتجاه سيارتنا، فرأينا أننا مجبرين على العودة، وفي طريق عودتنا، ضل سائقنا الطريق، فوصلنا مكاناً رأينا فيه شخصاً استوقفنا، وتبعه أشخاص آخرون، فسألونا عن وجهتنا، فأعلمناهم بأننا قد جئنا للتبليغ، فقادونا إلى شخص، وكان سيداً محترماً فيما بينهم.. حتى أنهم كانوا يقسمون بعمامته، احتراماً وإجلالاً له...

وكان ما جرى علينا حتى مراسم الاستقبال مقدمة لما أردنا من التبليغ... ثم إننا تعرفنا على هذا السيد، فاكتشفنا بأنه كان رجلاً أمياً، وكان مجرد دوره أن يقسم الناس بعمامته لفضّ النزاعات فيما بينهم!

ولكننا ـ أنا وصاحبي ـ بدأنا شيئاً فشيئاً في تعليم أهالي تلك المنطقة مسائل الأحكام الشرعية... وانتهى الأمر بكثير من شبابها إلى الانخراط في سلك طلبة العلوم الدينية.