بين يدي المرجع

مقتطفات من الكلمات التي أفاض بها سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله على بعض علماء وأفاضل الحوزة العلمية والخطباء والشخصيّات المعروفة في الوسط العلمي والثقافي في جلساته الليلية الرمضانية المباركة.

 

 همم الرجال تزيل الجبال

كنت أطالع إحدى المجلات ذات مرة، فرأيت أنها خصصت إحدى صفحاتها لمناسبة تأسيس دويلة «إسرائيل»، ولفتت نظري صورة لأول رئيس وزراء لهذا الكيان، وهو المدعو بن غوريون، إذ التقطت له الصورة أثناء خطاب له، وكان في الجانب الأعلى صورة هرتزل... منظّر فكرة تأسيس «إسرائيل» والداعي الأول لها.

لقد كان هرتزل شاباً مقيماً في المانيا، ولم يكن على مستوى عالٍ من الثقافة والعلم والعمل والثروة والحالة الاجتماعية، بل كان شخصاً عادياً وبسيطاً للغاية.

ولكن الميزة الوحيدة التي كان يحملها هي همّته، وبهذه الهمة أسس الصهيونية العالمية الحديثة والتي يعتبر مشروع تأسيس «إسرائيل» إنجازاً من إنجازاتها...

إن شاباً سيئاً يستطيع أن يكون ـ بهمته ـ هرتزلاً آخر، كما يمكن لشاب صالح أن يكون بهمته أيضاً أبا ذر جديد.

ولكي يستطيع الشاب أن يخلق في نفسه شخصية أبي ذر رضوان الله عليه، عليه الالتزام بجملة من الشروط:

الأول: أن يكون كل رجائه وأمله بالله تبارك وتعالى وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وأن لا يسمح للمشاكل والمصائب بتحطيم معنوياته وإيذائه نفسيّاً، لأنه إن كان ذا شخصية انهزامية، هجره الآخرون، ولن يتمكن من إيجاد أية حالة إيجابية في داخله.

لقد جاء في التأريخ أن عثمان نفى أبا ذر رضوان الله عليه إلى الشام، وبالتحديد إلى منطقة جبل عامل في لبنان التي كانت جزءاً من بلاد الشام آنذاك.

ولكن أبا ذر واجه الفقر والغربة التي نفي إليها، وقام بإنجازات، اضطر معاوية بن أبي سفيان لعنهما الله إلى الاستنجاد بعثمان قائلاً:

إن كانت لك حاجة في الشام، فأرسل إلى أبي ذر... محذّراً إياه من أن أبا ذر سيفسد عليه الشام، ولم يعد قادراً على مواجهة ما يقوم به من توعية الناس وهدايتهم إلا بواسطة استدعائه إلى المدينة المنورة...

إن شخصاً يعيش ظروف المنفى يعجز عن فعل ذلك لو لم يكن مع الله تعالى وأهل البيت سلام الله عليهم، فيكون على هذا الحجم من الخطورة على الأعداء.

الثاني: بذل الجهد الدائم. فالأئمة صلوات الله عليهم ورغم شأنهم الرفيع ومنزلتهم وقربهم من الله سبحانه وتعالى كانوا لا يكلّون عن العمل والنشاط، وقد ورد في مضمون رواية عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه حيث أجاب من سأله بخصوص سعيه وعمله الدائم ولماذا لا يأخذ لنفسه قسطاً من الراحة، قائلاً: «إن نمت النهار ضيّعت رعيتي، وإن نمت الليل ضيعت نفسي».

وينبغي معرفة أن كل من قام بإنجاز كبير، فإنه قد قام به ضمن جهد جهيد وسعي حثيث. أما أبو ذر رضوان الله تعالى عليه، فلم يكن استثناءً من هذه القاعدة، إذ استطاع بجهود جبارة أن ينال شرف هداية أغلب سكان تلك المنطقة وتشيعهم على يديه وبروز المئات من العلماء والفقهاء الشيعة من جبل عامل على مر التأريخ.

الثالث: العمل الصحيح، أي أن يقوم الإنسان  بما يقوم به - ببصيرة ووعي وإدراك تام.