بيان سماحة المرجع الديني

آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)

بمناسبة الوفادة العالمية الى زيارة الإمام الحسين عليه السلام في النصف من  شعبان المعظم عام 1425

 بسم الله الرحمن الرحيم

 قال الله تعالى: >وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ< (القصص /5) صدق الله العلي العظيم

الحمدلله رب العالمين وصلى الله على أشرف رسله محمد المصطفى وعترته الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم اجمعين.

في مناسبة النصف من شهر شعبان الذي فضّله الله تعالى بجوامع من الفضل واختاره منذ القدم ليكون مغفرة ورحمة لعباده مقترناً بميلاد خاتم الأوصياء سيدنا ومولانا الإمام المهدي المنتظر (صلوات الله عليه وعجل الله تعالى فرجه الشريف).

 هذا الإمام الذي جعله الله تعالى إستثناءً في معظم أبعاد وجوده وأعماله ـ بدءً من ولادته ووجود الشبه المتنوع فيه بالأنبياء والمرسلين في شتى الحالات المرتبطة به، ومروراً بحياته الكريمة ومعاناته الطويلة والمريرة فيها، واختبار الله تعالى البشرية فيها باختبارات صعبة ومتواصلة ومختلفة، وانتهاءً بظهوره وإقامة حكم الله العادل على وجه الارض ـ .

في هذه المناسبة المعطاءة أبارك للمسلمين جميعاً ميلاد هذا الإمام العظيم الذي ادَّخره الله تعالى لإعزاز المؤمنين وإقامة العدل في العالم كله من أقصاه الى أقصاه، حيث تنحسر الرذيلة لتعم الناس الفضيلة، ويذوب الفقر ليحلّ الغنى، ويترك الخوف مكانه للأمن، وينعم كافة البشر بطمأنينة ورفاه وخير لم تتذوقها الشعوب في شتى أدوار الحياة.

وفي هذه المناسبة المباركة حيث اختارها الله تعالى مزاراً لسيد الشهداء أبي عبدالله الإمام الحسين عليه السلام، الذي يفد لزيارته من أطراف العراق، وأكناف العالم الملايين من المسلمين يشاركون في هذه الزيارة كل الانبياء والمرسلين بما فيهم سيدهم وخاتمهم رسول الاسلام صلى الله عليه وآله الذين يستأذنون الله تعالى كل عام لهذه الزيارة العظيمة فيأذن الله تعالى لهم فيزورون الامام الحسين عليه السلام  على صعيد واحد وفي يوم واحد. (تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي/ ج6/ ص48/ الحديث109)

وبهذه المناسبة العظيمة ينبغي للمسلمين في كل مكان الالتفات إلى النقاط التالية:

الأولى: ثقافة أهل البيت عليهم السلام هي الثقافة التي يدعو إليها القرآن الحكيم، وتدعو هي إلى القرآن الكريم، دعوة متبادلة ومتكاملة، وشاملة، فلا يزيد أحدهما على الآخر، ولا ينقص، وقد أكد عليها ـ كثيرا ًـ رسول الله صلى الله عليه وآله وفي مناسبات شتى، ومنها ـ وفي آخر خطبة خطبها للناس ثم دخل بيته فلم يخرج حتى قبضه الله اليه ـ حيث قال: «أيها الناس إني تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وأهل بيتي، فإن اللطيف الخبير قد عهد إليّ أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض كهاتين (وجمع بين سبابتيه) لاكهاتين (وجمع بين سبابته والوسطى) لأن إحداهما قدام الأخرى [أطول من الأخرى خ ل]، فتمسكوا بهما لا تضلوا ولا تولوا، لاتقدموهم فتهلكوا» (كتاب سليم بن قيس / ص414).

هذه الثقافة الوضّاءة ينبغي تعميمها عبر كل الوسائل، وفي كل مجال ببنودها الثلاثة (العقائد ـ والأخلاق والآداب ـ والأحكام والتشريعات) حتى يرفل الجميع بخير الدنيا ونعيم الآخرة.

الثانية: المعضلات الإجتماعية: على الجميع أن يهبّوا لعلاجها ـ كل من منطلقه وفي مجاله ـ قبل أن تستفحل أكثر وأكثر، ويصعب علاجها أشد وأشد، من انحراف في العقيدة وبروز فرق ضالة وانتشارها وكذا الفساد الخُلقي المستشري، والمخدرات المبيدة، وتفكّك العائلة، وانسياب المجتمع، هذه الأوبئة الفتّاكة، التي لم تزل تهدد العالم ـ أكثر من ذي قبل -بدمار مطبق، وفناء شامل.

 وإن من طرق العلاج تأسيس اللجان والمنظمات والمؤسسات المتخصصة لكل واحدة واحدة من هذه الامور.

الثالثة: الشباب، فإنهم أمل الغد، وبُناة المستقبل في كل مكان وقد أوصى بهم الإمام الصادق عليه السلامحيث قال لمؤمن الطاق: «عليك بالأحداث فانهم أسرع إلى كل خير» (الكافي /ج8 /الحديث 66)، فإن وجهوا التوجيه الصحيح كانت الحياة لهم ولشعوبهم نعيماً، وإن تركوا في مهب الرياح الفكرية والخلقية الهوجاء، أنذر ذلك بجحيم يشمل كل جوانب الحياة ـ لا سمح الله ـ .

الرابعة: المرأة، فإنها والرجل شقّا الانسان، وإنها (ريحانة) في كلام أمير المؤمنين عليه السلام، وإنها آخر وصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله وآخر وصية أميرالمؤمنين عليه السلام، ولقد ظلمت المرأة بالتضييق عليها تارة، وبإقحامها وتحميلها ما لا ينبغي لها تارة أخرى، وإن خير أسوة للنساء ـ في جميع جوانب الحياة ـ سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء وإبنتها عقيلة بني هاشم زينب الكبرى (سلام الله عليهما)، فعلى المرأة أن تتخذ منهما خير أسوة في مسيرتها في معترك الحياة، كبنت، وكأخت، وكزوجة، وكأمّ وكمربّية أجيال، وعلى المسلمين مراعاتها ووضعها في الاطار المناسب لها الذي أكد عليه القرآن الكريم وطبقه عمليا رسول الله والائمة الأطهار (عليه وعليهم السلام) من بعده.

الخامسة: العالم الاسلامي، والمسلمون في كل مكان يعيشون نهضة شاملة في جميع الأبعاد، ويواجهون تحدّياً عنيفاً من شتى الأطراف، فينبغي لهم التمسك بالاسلام، والإعتصام بما أكَّد عليه النبي الأعظم صلى الله عليه وآله من الحبلين الممدودين بين الله وبين خلقه، القرآن الكريم والعترة الطاهرة عليهم السلام لكي يبنوا حضارة الإسلام من جديد، وينتشلوا أنفسهم من هذا التحدي الظالم. ومن المفيد في هذا المجال الإستفادة من كتب السيد الأخ الأكبر (أعلى الله درجاته) التي تعالج هذا الجانب ومنها (الصياغة الجديدة) و(السبيل إلى انهاض المسلمين) و(ممارسة التغيير) و(طريق النجاة).

السادسة: العراق الجريح والمظلوم يمر اليوم بفترة عصيبة بين الشدة والإستبداد في أبشع ممارساته، وبين الحرية والإنطلاق، وهناك أعداء للإسلام ولأتباع أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وعليهم) وللعراق، وهؤلاء لا يريدون لهذا الشعب الصامد والأبيّ أن يعيش بخير ويحاولون بأساليب عديدة ـ سياسياً، وعسكرياً، وثقافياً وغيرها ـ أن يعكروا صفو ذلك، فينبغي للشعب العراقي الواعي الانتباه بدقة إلى الامور التالية:

أ) حضارة الاسلام التي أكد عليها القرآن الحكيم، وطبّقها رسول الله وأميرالمؤمنين (عليهما وآلهما السلام) أيام حكومتيهما العادلتين، لا بديل لها، فلا يصلح العراق اليوم وغداً، إلا بما صلح به يوم حكمه الامام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام ضمن أكبر وأوسع وأقوى رقعة على وجه الارض، قسمت ـ في خريطة العالم اليوم ـ إلى عشرات الدول والحكومات، فإن لم يكن أميرالمؤمنين عليه السلام اليوم بيننا فنهجه وسيرته وتاريخه ـ الذي يمكن أن يجعل دستوراً ومنهاجاً ـ موجودة عندنا.

ب) يعيش العالم اليوم في معظم الدول الكبار، الأكثرية في كل المجالات بدءً بإنتخاب الرئيس، والمجلس والحكومة، وانتهاءً بكل حاجات الشعوب الكبيرة والصغيرة.

فينبغي أن لا يكون العراق - اليوم - وفي معترك الصراع العالمي المصطنع مستثنى عن هذه الأكثرية مع حفظ حقوق الأقليات كافية ووافية.

وينبغي أن يشترك في الإنتخاب جميع قطاعات الأكثرية ومناطقها وقومياتها وفئاتها وعشائرها ومثقفيها وتجّارها وعمّالها وغيرهم ... وأن يصادق كلّهم على القانون والمجلس والحكومة، حتى لا تصبح الأكثرية جسراً إلى الأقلية، والإنتخاب واجهة للانتصاب، وهذا أمر دقيق ينبغي الإنتباه الأكيد له.

ج) العراق أرضاً وشعباً من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب من الأكراد، والتركمان، والعرب، وغيرهم في المدن والقرى والأرياف، وحدة واحدة لا يمكن أن تتجزأ تحت أي اسم، أو أي شعار.

د) ثقافة التعايش بين جماعات وأفراد الشعب العراقي الواعي، وأحزابه وهيئاته، وحوزاته وجامعاته، ينبغي أن تمارس بأحسن وجه كمقدمة للوحدة الإسلامية الكبرى التي دعى اليها القرآن الحكيم حيث قال: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الانبياء /92). وفي هذه المرحلة الحساسة التي سيكون فيه تقرير مصير الأمة اليوم، والأجيال القادمة فلابد من السعي الحثيث لتسليم أزمّة الأمور إلى الأفراد الصالحين الكفوئين فإنه إذا صلحت القيادة صلحت البلاد وإذا فسدت القيادة فسدت البلاد.

وإنني إذ آمل ـ بفضل الله ورحمته، ورعاية مولانا ولي الله الأعظم الإمام صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ـ أن يُقبل العراق على مستقبل كريم، وغد مشرق هنيء أدعو الجميع إلى التكاتف والتآزر ونبذ كل أنواع الخلاف ـ كبيره وصغيره وبكل أسمائه وعناوينه ـ  والله ولى التوفيق وهو المستعان.

10/ شعبان المعظم / 1425 هـ                                                                                                                                صادق الشيرازي