
|
مهرجان الإمام علي بن أبي طالب يختتم فعالياته في المركز الثقافي العربي المثقفون والسياسيون المسلمون والمسيحيون يحيون ليلة احتفائية رائعة عبقت بذكر علي الإنسان والإمام
ليلة مباركة طيبة لا يمكن أن تنسى بهذه الكلمات التي رددها العديد من الحاضرين والحاضرات الأكارم المحتفين بمهرجان الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وحقوق الإنسان السنوي الرابع المنعقد في العاصمة السورية دمشق لليومين 29ـ 30/8/2004م برعاية مركز الفردوس للثقافة والإعلام في المركز الثقافي العربي في العاصمة السورية دمشق. الاحتفال كان مميزاً بأكثر من جانب وأبرز ما فيه القيم العلمية العالية المستوى والجديدة في مضامينها وأفكارها وصيغ طرحها وطرق إيصالها نظراً لحجم النخب العلمية والثقافية المشاركة في هذا المهرجان المبارك. عريف الحفل لهذا اليوم الاحتفالي الذي استغرق أكثر من خمس ساعات كان الأستاذ مالك الرفاعي الذي أغنى فقرات الوصل علاوة على كلمة الاستهلال والختام بالكلمات الرائعة والأبيات الشعرية الجميلة التي تعبق بالعطر العلوي الآسر للحواس والأبصار والعقول والأفكار. افتتح الحفل بتلاوة آيات كريمات من الذكر الحكيم رتلها على أسماع الحاضرين فضيلة الشيخ ياسر الصالح ثم كلمة مركز الفردوس للثقافة والإعلام قرأها الأستاذ الأعلامي بسام حسين. تحدث فيها عن انطلاقة المركز على يد سماحة المرجع الديني الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي ـ قدس سره ـ وقا ل في معرض بيان أجندة المركز: إن المركز قد نجح في إقامة نشاطات وفعاليات ثقافية، جاءت بالمردودات الإيجابية وعلى أكثر من مستوى، والتي من أهمها عمقت أواصر الالتقاء والحوار بين الأديان والمذاهب المختلفة. كما تطرق الأستاذ بسام حسين إلى عز م المركز على الاستمرار بتلك النشاطات، وبمديات أوسع وآليات جديدة بعد الاستفادة من التجارب الماضية وآراء المحبين والمشجعين والمعجبين بالمركز. بعدها جاءت كلمة الصحفي الكبير الأستاذ طلال سلمان رئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية الذي اعتذر عن الحضور بسبب عارض صحي ألم به حيث أنابه في ذلك الصحفي الأستاذ مرهج محمد. وقد أشار في كلمته إلى عمق ارتباط الشعوب العربية والإسلامية بالإمام علي عليه السلام وكذلك المجتمعات الأخرى لاعتباره عليه السلام أنه الرائد والمجاهد الأكبر والصادق المؤتمن والساعي المتفاني في سبيل حقوق الإنسان وكرامته. كما أشار إلى المفارقة الغريبة التي تقترن فيها الاحتفالات بمولده الكريم وهو الأسد الغالب والبطل الهمام بأن تعيش مدينته النجف الأشرف تحت الاحتلال الغاشم وأعمال العنف والدماء والإرهاب وهو الذي خدم الإنسانية أعظم خدمة. تلا ذلك فقرة إقامة الصلاة وتناول المرطبات بعدها ألقى الأستاذ المعروف إنطوان بارا كلمة استعرض فيها القيم الإنسانية النبيلة التي صرح بها الإمام علي عليه السلام في عهده إلى مالك الأشتر ومدى تطابقه مع بنود ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والصادر في العاشر من كانون الأول من سنة 1948م وما في ذلك من إشارة إما إلى تجاهل دور وعظمة التراث الإسلامي من قبل الغرب أو إلى أن المسلمين لم يولوا هذا التراث العلوي العظيم ولو جزءاً بسيطاً من الاهتمام الذي ينبغي أن يولوه إياه أو إن الاثنين هما ما ينطقان عن حقيقة واقعنا المرير. الفقرة التالية كانت مع فضيلة الدكتور الشيخ محمد معشوق الخزنوي الذي عبّر من خلال كلمة فصيحة بليغة عن عشقه للإمام علي عليه السلام ولمنهجه في كشف الأخطاء ومواطن الانحراف ومعالجته لها. وأكد سماحته على البعد الإنساني في كل حركة للإمام عليه السلام وعلى المستويات المختلفة السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية وحتى العسكرية والأمنية. كما تطرق سماحته إلى النفاق السياسي المعلن في أيامنا هذه حيث كل يدعي أنه الأحرص على حقوق الإنسان وأنه الأكثر حماية لكرامته ولكن حينما نأتي إلى الواقع لا نجد من حقوق الإنسان شيئاً يذكر. وأشار فضيلة الشيخ الدكتور محمد معشوق الخزنوي إلى ضرورة اعتماد عهد الإمام علي عليه السلام إلى مالك الأشتر؛ فإنه ينبغي أن يكتب بماء الذهب ويعلق على واجهة الأمم المتحدة، لنثبت أننا نحن الأمة التي جاءت بأفضل ميثاق لحقوق الإنسان وليس غيرنا، ونحن المسلمون المحبون للسلام وغيرنا الممتهن للإرهاب والعنف ودمار الأمم والشعوب والحضارات. أعقب ذلك كلمة قصيرة لضيف الشرف سماحة الشيخ عبد الكريم الحائري حيث تناول فيها من خلال قصة سردها مفصلاً عبرت من خلال مضامينها العديدة عن القيم النبيلة التي كان يحملها الإمام عليه السلام والتي هي حاجتنا الحقيقية في عالم هذا اليوم حيث تتخبط البشرية بفوضى المرجعيات والرؤى والتحليلات وطرق الاستنباط وإطلاق الأحكام. وأكد الشيخ الحائري على أهمية استلهام الدروس والعبر من منهج الإمام علي عليه السلام الفكري والإنساني لنتأكد من حبنا له وفيه وانتمائنا لمدرسته وأيضاً لنحقق إنسانيتنا المثلى في سبيل بناء دولة الحق والعدل والفضيلة. وكانت القصيدة الرائعة التي تعبر عن الفهم الإنساني المجرد عن كل مصلحة ضيقة أو متوترة والمتحرر من الزوايا المظلمة والأفكار الجامدة حاضرة وبامتياز. وكان صاحب تلك الأبيات التي نالت إعجاب الحضور هو الوزير اللبناني السابق الشاعر والأستاذ جوزيف الهاشم. وبعده جاء دور ممثل آسيا في الدفاع عن حقوق السود في العالم ومن كفاءات الدبلوماسية السورية المعروفة الأستاذ جورج جبور الذي تناول في كلمته القيمة انعكاسات الواقع السياسي القائم في الوقت الحاضر على حقوق الإنسان اليوم وغداً وما يتسم به من تزويق وتزوير وادعاءات كاذبة الأمر الذي جعل من قوانين حقوق الإنسان فرصة للانقضاض على هذا الإنسان المسكين وما ذلك إلاّ بفعل قوى التكبر والجبروت وأوصى الأستاذ جورج جبور بأهمية اعتماد عهد الإمام إلى مالك الأشتر كمنهج وحركة وتفاعل ونبراس لجميع المنظمات الدولية وأولها منظمة الأمم المتحدة لغرض الوصول إلى المرفأ الذي يكفل للإنسان حقوقه وكرامته ورفع درجة الإحساس بغد مشرق ومستقبل زاهر. تلا ذلك كلمة وقصيدة للأستاذ المبدع والمؤرخ والكاتب والشاعر الأستاذ أحمد أسعد الحارة الذي استهل كلمته الرائعة التي شدت أسماع وعقول وقلوب المحتفين عبر تأملات فلسفية وعقلانية في شخصية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام حيث أبحر بالحضور إلى سواحل بحر علي عليه السلام الإيمانية والفكرية والإنسانية وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بمسألة حقوق الإنسان وكيف علم علي عليه السلام الآخرين حفظ حقوق الناس وصيانة كراماتهم وتفقد حاجياتهم ومشاعرهم دون مس أو نقص بعزة أنفسهم وكبريائهم. كما أكد الأستاذ أحمد الحارة على أن الإمام قد تجاوز عصره وهو متجاوز لعصرنا مع فارق نوعي لصالحه يتمثل بضمانة الأحكام التي أرساها تلك الضمانة المتمثلة بإيمان علي نفسه، وهو إيمان مطلق وبإيمان منه سيسير على هديه، فيصبح من يخالف مخالفاً الأحكام أساسية في الإسلام تدفع صاحبها بثوب من الكفر فيما الأحكام التي تم التواضع عليها في هذا العصر لا تتمتع بضمانة موازية، بل هي تخرق كلما أمكن التحايل على القانون وما أسهل ذلك، وكلما أيضاً اقتضت بذلك مصلحة الحاكمين. وعديدة هي الكلمات والتأملات الرائعة التي عبر عنها الأستاذ الحارة منها أنه قال: لم نأتِ لنحيي ذكرى ولادة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بل جئنا لنحيا نحن الأموات بذكرى ولادة صاحب النفس المقدسة والعقل المقدس والأخلاق المقدسة والمنهج المقدس، إنه الإمام في القرآن والوصي في الحديث وكرم الله وجهه عند المسلمين أليس هذا منهجاً كافياً يجعلنا نقطع بيقين أنه الأفضل والأتقى والأورع والأكثر إنسانية بل هو إنسان كامل. وكلمة الختام كانت مع سماحة الباحث والمفكر الشيخ جعفر الهادي حيث أكد على أهمية التأمل والتدبر في الإمام علي عليه السلام من خلال نهج البلاغة هذا ا لكتاب الذي يطرح جملة من المفاهيم والرؤى الإنسانية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية وغيرها لنعلم من خلالها ونتيقن عظمة الإمام وسموه وشموخه وتألقه وتوهجه ونبله. كما أشار سماحة الشيخ الهادي إلى الحركات التي عاصرت حياة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على الرغم من افتقارها للمصداقية الفكرية والأخلاقية والسياسية فإن الإمام تعامل معها بوصفها جماعات تتمتع بالحقوق الأساسية، فحاورها وحاول ردها إلى طريق الصواب، فراسل معاوية وقادة أهل البصرة محاوراً مجادلاً واعظاً. أما الخوارج فقد كان يسمع بنفسه شعاراتهم ينادون بها في مسجد الكوفة قاعدة حكمه ولم يسجل عليه إطلاقاً أنه عاقبهم أو حاول منعهم أو حتى صدرت عنه أدنى إشارة تفيد أن لا حق لهم بذلك. وتطرق سماحة الشيخ الهادي إلى جانب آخر من شخصية علي عليه السلام وهو بناء الدولة عند علي حيث إن الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام قد عمل على بناء دولة تتجاوز بما لا يقاس بكل المفاهيم التي كانت سائدة أو يحلم بها الناس في زمانه وهو ما يشير إلى مؤشر من مؤشرات كثيرة إلى الأبعاد الرائعة التي رمت إليها الإمامة المتوفرة في أهل البيت عليهم السلام. وفي الحوار الأخير من كلمته القيمة والغنية بالإضاءآت والثرية بالمعاني الإنسانية السامية عند الإمام علي عليه السلام عقد سماحة الشيخ جعفر الهادي مقارنة عامة بين معالم الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر حين ولاه مصر وبين ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الصادر في عام 1948م مشيراً في الوقت نفسه إلى إشكالية كبرى في ذلك الميثاق ألا وهو عدم إرجاع أفكاره وبنوده إلىالخالق الوهاب سبحانه وتعالى وأنها محض إبداع عقل الإنسان الأمر الذي لا يجعل الإنسان في إطار ضابط تحفظ منهجيته في البحث والتقصي للحقيقة لاسيما في أخطر وأهم الحقائق المتعلقة في حقوق الإنسان وكرامته وأكبر دليل على ذلك ما نراه في كل يوم بل في كل ساعة جرائم انتهاك حقوق الإنسان من قبل الدول التي تدعي الديمقراطية وأنها الأرقى في المحافظة على حقوق الإنسان.
|